يتحدث البعض بحسن نية شديد تجاه العالم الذي يتوقعه بعد انتهاء عاصفة كورونا المستجد الشهير بـ"كوفيد 19"؛ وكأن الفيروس يملك عصىً سحرية سيعيد بها ترتيب فوضى الأنظمة والحضارة الغربية؛ مُعيدًا الحقوق للأمم البائسة المغلوبة على أمرها وأولها أمتنا؛ قاضيًا على أعدائنا؛ وأولهم الكيان الصهيوني بالضربة الناجعة التي لا قيام له بعدها.

   وهؤلاء الذين لا حيلة لديهم أو وسيلة أو طريقًا يسلكونه سوى حسن الظن يبادرون بإقصاء أنفسهم عن حقيقة الأحداث؛ ويتغاضون (على الأقل) عن عَالم يزداد حدة وضراوة وشراسة "فيمتوثانية" بعد أخرى، برأي وخلاصة عمر الراحل عالم الكيمياء المصري حائز نوبل الدكتور أحمد زويل (رحمه الله)، ففيروس كورونا المجهول الأصل تأثيره تردد أنه يبلغ ثلث الإنفلونزا الموسمية بتداعياتها الحاصدة لنحو 650 ألف نفس في العالم سنويًا، بحسب منظمة الصحة العالمية نهاية العام 2017م، ويتجاوز المصابون بكورونا المليون  ونصف المليون والعدد في ازدياد؛ فيما الوفيات تزيد عن  88 ألف نسمة منذ الشهر الأخير من العام الماضي وقت اكتشاف المرض؛ والأدهى أن العالم يُقر الفيروس جائحة تُغلق مطاراته وحدوده بجميع أبعادها، وتفرض حظر تجوال جزئي أو كلي على دوله.

  وسواء أكانت الرأسمالية الأمريكية أو الشيوعية الصينية فالجميع مكتوف الأيدي لا يملك إجابة "مُعلنةً" على مُعضلة انتشار الفيروس؛ ومن أين جاء وإلى أين ومتى سيمضي؟، فقط في البداية ألقت واشنطون وبكين بالتبعة كُلٌّ على الآخر؛ فيما صرحت رئيسة الوزراء الألمانية إنغيلا ميركل بأن بلادها تواجه أصعب تحد منذ الحرب العالمية الثانية، وصرح بمثل كلماتها مع اختلاف الألفاظ نظيرها الإيطالي جوزيبي كونتي قائلًا بإن بلاده تواجه حالة طوارئ لم يعرفها أحد منذ الحرب العالمية!

   فأين التقدم العلمي إذًا وكيف لا يرحم الفيروس الولايات المتحدة وإيطاليا وفرنسا وألمانيا مثلما لا يرحم إيران؟ مع الفارق التكنولوجي بين الأخيرة والدول الأوائل؛ وكيف تغاضت الحضارة الغربية على هذا النحو المُريع والمهين عن صحة مواطنيها حتى وصل الحال بها إلى حجز أماكن لزيارة المريخ على سبيل المثال، وصناعة أسلحة عادية وبيولوجية وماكرة تكفي لتدمير العالم مرات؛ وتركت العنان لفيروس يلتهم مواطنيها التهامًا؟

   وهل صحيح أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بداية حكمه رفض إنفاق 3 ملايين دولار على أبحاث للقضاء على فيروس مشابه لكورونا؛ فيما يُقر منذ فترة بسيطة ترليونيّ دولار لمكافحته؟ وإن صح الخبر فمن المسئول إذًا عن وفاة ما يُقارب عشرين ألف أمريكي؛ والعدد في ازدياد، وهو ما يفوق أكثر من ضعف لخسائر واشنطن البشرية في أفغانستان منذ أكتوبر/تشرين الأول حتى اليوم بالإضافة لضحايا الهجوم على مركز التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر 2001م، وقد ترتب على الأخير غزو العراق وأفغانستان ومئات الآلاف من الضحايا.

  هل يقبل المنطق بكل ما مضى؟ أم أن عالم ما بعد كورونا عليه التسليم بالواقع كنتائج والتعامل معه بنظام وأسلوب البشرية البدائي من الاكتفاء بالدهشة؟ أم أن علينا في خضم هذا البحر المائج من الألغاز واللوغريتمات أن نصدق بنظرية المؤامرة حتى إشعار آخر، على افتراض أن حقيقة قد تبدو لاحقًا في الأفق؟ وإلا فلماذا قال ترامب عن الفيروس أنه "صيني"، وبادله المتحدث باسم الخارجية الصينية الاتهام؟ وهل بمقدرونا أن نصدق خلو الصين "بلد المنشأ" من الفيروس، أم أن نظامها الشمولي طال حتى التصريح بالمصابين والوفيات، وهل من بقي من قيمة وأهمية الإنسان مجرد الإعلان عن إصابته أو وفاته في الغرب والشرق؟

  ماذا عن فيلم "contagion" أو "عدوى" التي أنتجته هوليود في 2011م عن نفس سيناريو انتشار كورونا؛ وقد حدده الفيلم بدايته بهونغ كونغ؛ وبشر بأنه سيلتهم نسبة كبيرة من العالم؟

  وماذا أيضًا عن رواية "The Eyes of Darkness" أو "عيون الظلام"  للكاتب الأمريكي (أيضًا) دين كونتز، والتي ألفها عام 1981م متخيلًا أن الفيروس سينتشر من مدينة ووهان عبر عالم صيني؟ فهل الخيال البشري وصل إلى ضفاف الواقع قبل حدوثه بالفعل؟ أم أن هناك تفاصيل مخفية في الأمر؟

  وبالتالي فهل نحن أمام حدث ستليه أحداث تقول بنهاية أزمنة الحروب بكل تداعياتها الخطيرة؛ وبدء عصر جديد من حروب بيولوجية تجعل البعض المُتطرف العلمانية في العالم يتخلص من الضعفاء والعجزة دون هوادة أو رحمة عبر توجيه مُتعمد للفيروسات وما شابه؛ ثم ينتقي الذين تحق لهم الحياة عبر إتاحة المصل الواقي لهم لاحقًا؟ وبالتالي فإن النظرية الاقتصادية القائلة بإنه كلما زاد سكان العالم أمكن الكسب أكثر من ورائهم تم العصف بها.

  وما موقع نظريات غربية كُنَّا نظنها متطرفة متشددة من مثل "صراع الحضارات" لصموئيل هنتنغتون.. هل تم القفز على كل ذلك؛ وصار العالم أكثر تشددًا وتطرفًا؟ أم أن ما سبق من أسئلة يدخل في باب التهويل والمبالغة؛ وأمر كورونا سينتهي قريبًا كما انتهت إنفلونزا الخنازير والدواجن؟