"لا أتحمل أي مسؤولية على الإطلاق"

هذا كان رد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مؤتمره الصحفي، عندما سئل عن التردد في سياساته إزاء تفشي وباء كورونا في الولايات المتحدة.

وتشير تصريحات الرئيس الأمريكي المتضاربة تلك حول تفشي وباء كورونا، إلى وجود خلل ما ليس فقط في تعامله مع أزمة كبرى ووباء خطير، بل أيضا في أسلوب تعاطيه وادارته لحكم دولة، ينظر إليها كثير من الناس على أنها القوة الأعظم، التي تتربع على قمة النظام الدولي في العالم.

ولكن كيف تضاربت تصريحات ومواقف ترامب إزاء هذه الأزمة؟

في 16 من شهر مارس الماضي صرح ترامب إن بلاده لم تبحث على الإطلاق حظرا للتجول، ولكن الخطوة قد تُبحث لاحقا، مؤكدا أنه لن يكون هناك حجر صحي شامل في الولايات المتحدة خلال هذه الفترة.

وبعدها بخمسة أيام من نفس الشهر حدث تراشق في الكلام بين ترامب وأحد الصحفيين، وذلك عندما سأل مراسل NBC News بيتر ألكسندر، ترامب عما إذا كان يمنح الأمريكيين "أملًا كاذبًا" من خلال الترويج لعقاقير علاجية غير مؤكدة، وسأل ألكسندر ترامب: "ماذا تقول للأمريكيين الخائفين الآن؟"حينها انفعل ترامب، وهز رأسه، ورد على المراسل: "أقول إنك مراسل سيىء.. هذا ما أقوله"، واتهم ترامب مراسل الشبكة بأنه "يهدف للإثارة، وأضاف ترامب: "دعني أخبرك بشيء ما.. هذا مراسل سييء حقًا، ويجب أن يعود إلى مبادىء المهنة بدلاً من الإثارة".

ثم عاد ليؤكد على تجاهله لهذا الوباء عندما صرح قائلا: " يمكنك أن تسميه جرثومة، أو انفلونزا أو فيروسا، يمكنك أن تطلق عليه أسماء مختلفة، لست متأكدا من أن هناك شخصا ما حتى يعرف كنهه"، وتقول مصادر صحفية غربية إن ترامب "أطلق هذا الزعم يوم 27 مارس رغم تحذيرات خبراء الصحة العامة من أنه لا يجب الخلط بين فيروس كورونا والانفلونزا الموسمية"، وأضافت أن أنطوني فوتشي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية قال إن "كوفيد-19 ينتقل بين الناس بطريقة أسهل بكثير من الأنفلونزا، ويبلغ معدل الوفيات بسببه عشرة أضعاف ضحاياها".

ولكن نتيجة ضغط رجال الحزب الديموقراطي، وفي 30 مارس بدأ التراجع في التصريحات حين قال ترامب إن "المراحل الصعبة لا تزال بانتظارنا خلال الأيام الثلاثين المقبلة، لكن بمقدر التباعد الاجتماعي فإنه يمكن الحفاظ على حياة أكثر من مليون أمريكي"، وأضاف: "سنحقق انتصاراً كبيراً"، ورداً على سؤال من مراسل CNN عما إذا كانت تصريحاته السابقة التي قللت من خطر تفشي الوباء غير صحيحة، قال ترامب "كلها صحيحة"، وقال للمراسل "لا أريد تسود حالة ذعر في البلاد، ويمكنني أن أتسبب في نشر الذعر أكثر منك"، بل أكد ترامب أكثر بقوله "كنت أعلم دائما أن هذا حقيقيا، إنه وباء، لقد شعرت بأنه وباء قبل فترة طويلة من وصفه بأنه وباء، واعتبرته دائما أمرا خطيرا للغاية.

وفي اليوم التالي، يعود ترامب ليؤكد على ذلك التراجع عندما قال إن بلاده ستمر بأسبوعين "مؤلمين جدا جدا" على صعيد مكافحة الفيروس، وفي مؤتمر صحفي لفريق العمل الخاص بمكافحة الفيروس، دعا ترامب الأميركيين إلى الالتزام بالإجراءات التي حددتها السلطات الفدرالية للتباعد الاجتماعي، التي تقرر تمديدها إلى نهاية أبريل، مشددا على أنهم سيواجهون أسبوعين عصيبين.

ولكن ما الذي دفع ترامب إلى تغيير تصريحاته؟ بعد أن كرر بشكل دائم المزاعم بأن الوباء "سوف يختفي، وسوف يأتي يوم تحدث فيه معجزة اختفائه"،

أولا/ ما عارضه بشكل متكرر خبراء الصحة العامة الذين توقعوا الزيادة الحادة في حالات عدوى كوفيد-19.

ثانيا/ إن مزاعم ترامب إن أي شخص يحتاج إلى اختبار (لكشف الإصابة بالفيروس) سوف يحصل عليه، فالاختبارات موجودة وليست موجودة فقط بل هي على حد وصفه بأنها رائعة"، ادعاء ترامب هذا بلا أساس، فبحسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية تدلل فيه على مزاعم ترامب هذه باعتراف مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي، عندما قال "ليس لدينا اختبارات كافية اليوم لتلبية الطلب المتوقع". وتضيف الجارديان ما قاله الطبيب أنطوني فوتشي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، أمام جلسة استماع بالكونغرس الأمريكي إن النظام (الطبي) في الولايات المتحدة "ليس مستعدا حقا لتلبية ما نحتاج إليه الآن".

ولكن أخطر ما ظهر به ترامب في أزمة انتشار وباء كورونا هو ما أطلقه من تصريحات زعم فيها: أنه "لا أحد كان على علم بأنه سيكون هناك وباء شامل أو غير شامل بهذا الحجم"، بينما تقول وسائل الاعلام الأمريكية إن "إدارة ترامب تلقت تحذيرا من احتمال حدوث وباء ومن أخطاره على الأمريكيين". وتكشف هذه الوسائل عن أنه "خلال إدارة أوباما (الرئيس الأمريكي السابق) وضع مجلس الأمن القومي مرجعا إرشاديا بشأن مكافحة الأوبئة مؤلفا من 69 صفحة، حسبما كشف موقع بوليتيكو الأمريكي الشهير"، وتشير الغارديان إلى أن هذه الوثيقة "كُتبت في أعقاب تفشي وباء إيبولا عام 2016، وتشمل نصيحة بشأن تعقب انتشار فيروس جديد، وكيف يمكن التأكد من فعالية الاختبارات الخاصة به وضرورة الاستعداد بموارد الطوارىء اللازمة لمواجهته".

وهذا ما أكدت عليه صحيفة نيويورك تايمز أمس، عندما نقلت عن مسؤولين أمريكيين بأنه توجد خلافات داخل إدارة ترمب عطلت اتخاذ إجراءات لمكافحة كورونا في يناير الماضي، وأطلعت الصحيفة على رسائل إلكترونية، تضمنت تحذيرات من جهات مختصة لإدارة ترمب من تفشي كورونا مطلع العام.

ولكن لماذا ظهر ترامب بهذه البلبلة في التعاطي مع هذه الأزمة؟

يضع ترامب نصب عينيه دائما منذ انتخابه، أنه سيعاد اتخابه مرة أخرى، ومع اشتداد الحملة التي يشنها الحزب الاديمقراطي ضده والتي وصلت إلى محاكمته في الكونجرس الأمريكي والمطالبة بتنحيه، فإن فريق حملة ترامب ومستشاريه باتوا يركزون على الأداء الاقتصادي الناجح في سنوات ترامب الرئاسية الأولى.

وفي هذا الإطار، تراجعت نسبة البطالة إلى أدنى مستوى لها خلال 50 عاما إلى 3.6 بالمئة مقابل 4.7 بالمئة في ديسمبر 2016.

ويمكن مقارنة نسق استحداث الوظائف خلال ولاية ترامب بالعامين الاخيرين من ولاية أوباما، فقد أحدث الاقتصاد الاميركي 183 ألف وظيفة في 2017، و225 ألف وظيفة في 2018، و175 ألف وظيفة في 2019، مقابل 195 ألف وظيفة في 2016 و226 الفا في 2015.

وقد ساهمت خلفية ترامب في عالم الأعمال، في أن تسود الثقة بورصة وول ستريت، ونما مؤشرها "داو جونز" بنحو 55 بالمئة منذ انتخاب ترامب في نوفمبر، وهي حجة أخرى مهمة لاستمالة الكثير من الأميركيين الذين ترتهن معاشاتهم التقاعدية بالبورصة، وأعطت التخفيضات الضريبية ووعود ترامب بالإنفاق على البنى التحتية دفعة قوية لأسواق الأسهم الأميركية التي سجلت خلال 2017 مستويات قياسية تمثلت بارتفاع مؤشر دوانز جونز بنحو 31% وهو أفضل أداء للمؤشر خلال السنة الأولى لرئيس منذ فرانكلين روزفلت.

وقد كشفت دراسة جديدة أجرتها شركة «كوينيبياك» الإحصائية أن ما يقارب 75 بالمئة من المستطلعة آراؤهم يصفون الاقتصاد بأنه إما «جيد» أو «ممتاز».

هذا كله قبل أزمة كورونا واستفحال انتشار الوباء الذي أدى في آخر احصائيات ظهرت وقت كتابة هذا المقال إلى وفاة ما يقرب من اثنين وعشرين ألف امريكي.

وأدى الوباء إلى تراجع كبير في الاقتصاد، فبحسب صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، أن الاقتصاد الأمريكى أصبح مهددا بخسارة أكثر من 5 ملايين وظيفة هذا العام، وتراجع الناتج المحلى الإجمالى بمقدار تريليون ونصف تريليون دولار، بينما تقول شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأمريكية إن الاقتصاد الأمريكى تكبد خسائر بلغت 800 مليار دولار حتى الآن، منها 355 مليار دولار فى مجال صناعة السيارات وحدها.

لذلك تلقت ادارة ترامب طعنة كبيرة، مست ورقته الرابحة وهي الاقتصاد، وهي الضربة التي جعلته مترنحا، وتفسر إلى حد كبير ذلك التضارب.