"القائد الناجح هو الذي يسيطر على عقول أعدائه قبل أجسامهم"

هذا قول القائد العسكري الألماني الشهير روميل، وهو يتحدث عن أساليب النجاح في الحروب العسكرية، ومن ثم جرى استخدامها في الصراع الاستراتيجي، وروميل هو أحد رموز النظام الألماني النازي الذي له السبق في ابتكار وتطبيق استراتيجيات التضليل، فجوزيف جوبلز وزير اعلام هتلر وأحد أساطير الحرب النفسية، وأبرز وأهم من استثمروا الإعلام لتحقيق مآربهم، صاحب المقولة الشهيرة "أعطني إعلاما بلا ضمير، أعطيك شعبا بلا وعي"، وهو الذي اخترع آلة الدعاية النازية الجبارة، الذي صوّر أدولف هتلر للألمانيين على أنه منقذهم.

وإذا كان روميل يستخدم تلك الاستراتيجية في أواخر الثلاثينات واوائل الأربعينات أثناء الحرب العالمية الثانية، حينما اجتاحت جيوش الألمان قارات، ووقتها لم ترتق وسائل الاعلام والتكنولوجيا والتأثير فما بالك بعصرنا الحالي حيث الانترنت والفضائيات باتت لها الهيمنة والتأثير الأكبر على العقول.

فالحروب اليوم لا تستخدم فقط السلاح التقليدي من طائرات ودبابات أو الحرب الإلكترونية، وغيرها من وسائل الحروب التي طالما سمعنا عنها، بل أصبحت الحروب النفسية والإعلامية لها الأولوية.

لقد صار النوع من التهديد الذي يتعلق بالجوانب السلوكية والنفسية للأفراد والجماعات والذي يسمّيه بعض علماء الاجتماع بـ“صراع النفوذ للسيطرة على نفسيات الناس“، ويتوقع له أن يحدث ما بين عامي 2020 و2060، هو الذي سيتحكم في مسار المجتمع والدولة مستقبلا، هذا السلاح الذي بات أساسيا ولا يقل أهمية إن لم يكن أخطر من تلك الأسلحة التقليدية، من خلال التأثير في أمزجة الناس وإدراكهم للأمور والتحكم في قدراتهم على التصرف واتخاذ القرارات، وباتت  أكثر وسائل الحرب المعاصرة مرتكزة على التكنولوجيات المتقدّمة لوسائل الإعلام بما تحمل من معلومات، موجّهة لتحقيق غرض واحد هو إخضاع الشعوب، واستعبادها بطرق جديدة من خلال التفتيت والتشتيت الذهني والعقلي قبل التفتيت والتشتيت الميداني، فكما يقول هربرت شيللر في كتابه الشهير المتلاعبون بالعقول: "تضليل عقول البشر هو أداة للقهر فهو يمثل إحدى الأدوات التي تسعى النخبة من خلالها إلى تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة".

ويرى غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير أن الجماهير لا تعقل، فهي ترفض الأفكار أو تقبلها كلا واحداً، من دون أن تتحمل مناقشتها. وما يقوله لها الزعماء يغزو عقولها سريعاً فتتجه إلى أن تحوله حركة وعملاً، وما يوحي به إليها ترفعه إلى مصاف المثال ثم تندفع به، في صورة إرادية، إلى التضحية بالنفس. إنها لا تعرف غير العنف الحادّ شعوراً، فتعاطفها لا يلبث أن يصير عبادة، ولا تكاد تنفر من أمر ما حتى تسارع إلى كرهه.

وفي الحالة الجماهيرية تنخفض الطاقة على التفكير، ويذوب المغاير في المتجانس، بينما تطغى الخصائص التي تصدر عن اللاوعي.

وحتى لو كانت الجماهير علمانية، تبقى لديها ردود فعل دينية، تفضي بها إلى عبادة الزعيم، وإلى الخوف من بأسه، وإلى الإذعان الأعمى لمشيئته، فيصبح كلامه اعتقاد لا يناقش، وتنشأ الرغبة إلى تعميم هذا الاعتقاد، أما الذين لا يشاطرون الجماهير إعجابها بكلام الزعيم فيصبحون هم الأعداء.

وهذا ما اصطلح على تسميته غسيل الأدمغة أو العقول، وهو له تقنيات منها:

1- التشجيع على الكسل وعدم التفكير، حيث يعتبر تشجيع الكسل للأشخاص أول وأهم تكتيك من تكتيكات غسل الأدمغة لأنه يمهّد الطريق للتكتيكات الأخرى.

2- التلاعب بالخيارات بحيث تكون النتيجة ما تريد، فيتم خلالها إعطاء الفئة المستهدفة مجموعة من الخيارات مع التأكّد بأنه مهما كان الاختيار الذي سيقومون باختياره فإنه سيعطي نفس النتيجة المرادة، وهي طريقة جيّدة لمعرفة ما يجول في أذهان المستهدفين، فمثلاً لو أردنا أن نعرف إذا كان شخص ما مهتماً بما هو جديد في التكنولوجيا أم لا؟ فبدل أن نسأله هل تحب التقنية؟ سنسأله السؤال بطريقة أخرى، هل تحب استخدام الفيسبوك أو تويتر؟ هل تحب التعامل مع الأيپاد أو نوت بوك؟ وهكذا، وعند القيام بهذه العملية بشكل متكرّر فإن الشخص المُستهدف سيعتقد بأن لديه كامل حرية الاختيار الأمر الذي يمهّد للتكتيك التالي.

3- تكرار العبارات والأفكار بشكل مستمر، حيث يُعتبر التكرار هو المفتاح الرئيس في عملية غسل الأدمغة، فكلما تم تكرار معلومة ما أمامك فإنها ومع مرور الزمن ستتركّز في دماغك لا سيما إذا كان هنالك بوادر ولو بسيطة عندك لذلك، فمثلاً لو تم إخبارك من شخص ما بأنك تبدو شاحباً ويبدو عليك المرض، ففي البداية لن تصدّق ذلك ولكن مع تكرار هذا الأمر فإنك ستبدأ تصديق هذه الفكرة.

4- التركيز على الجانب العاطفي، حيث تعتبر العواطف من أسهل وأبسط الأمور التي يمكن التلاعب بها خصوصاً إذا كانت مرتبطة مع مشاعر الحزن أو الفرح، فمثلاً يمكن أن تشعر الشخص بمشاعر الخوف والرهبة من القيام بأمر ما لا تريده أن يقوم به، ما يؤدّي إلى توجيهه للفكرة التي تسعى إلى تحقيقها.

ويتعلق هدف التضليل الإعلامي التلاعب بالمعلومات والذي له شقان، شق يتعلق بالمضمون والآخر يتعلق بالشكل.

فتضليل المضمون له عدة صور منها:

1- إخفاء ما يدل على وجوده؛ أي عندما يشعر الأشخاص متلقي المعلومة بأن هذه المعلومات غير قابلة للنقاش، أو أنها بديهية وحتمية.

2- تكريس متلقي المعلومة على أنهم مشاهدون أو سلبيون لا حيلة لهم إلا إلى الاستماع للمعلومات، أو تلقيها بأي شكل كان.

3- تعزيز الهيمنة الغربية بجوانبها المختلفة على ما عداها؛ بحيث تكون نظرتها للأحداث هي الأساس.

4-الإيهام بتعددية مصادر المعلومات، وأنها تعني حرية الاختيار، بينما تتفق جميعها في المضمون والمحتوى، ولكنها تختلف في الشكل والمظهر العام، ومثال على ذلك ما جرى في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي حين أطلقت تسمية (المجاهدين) في الشيشان بـ (المتمردين) في جميع وسائل الإعلام الغربية ومن والاها.

أما التضمين من حيث الشكل يعتمد على شيئين أو شكلين:

1- التجزيئية:

أو الحصر داخل بؤر، ‏وهي أخطر أدوات النظام التضليلي، " فإذا نظرنا إلى الطريقة التي يتم بها إعداد أي برنامج تلفزيوني أو إذاعي أو الصفحة الأولى لأي صحيفة؛ سنجد أن السمة المشتركة بينها جميعًا: هي التباين الكامل للمعلومات، والإنكار التام للترابط بين الظواهر الاجتماعية التي يتناولها الحديث أو التعليق".

‏إن تقديم معلومات متفرقة عن ظاهرة دون إرجاعها إلى رابط كلي تحت دعوى المعلومات؛ فإن النتائج مضمونة مقدمًا، ‏وهي في أحسن الأحوال العجز عن الفهم والجهل، ‏وفتور الشعور واللامبالاة بالنسبة إلى أغلب الناس، وهذه هي خطورة الوصف المجزأ بدون تحليل أو تفسير، فالتحليل ما هو إلا ربط المعلومة الخاصة بظاهرة بقانون أو سنة تعين على فهم الظاهرة.

2- فورية المتابعة الإعلامية:

‏تظل اللحظية أو الفورية - أي تسجيل الأحداث والتعليق عليها فور وقوعها - من أهمّ أدوات الإعلام بتقنياته الحديثة، " ولكن سرعة الأداء ليست ميزة في حد ذاتها؛ ذلك أن المادة الإعلامية سريعة الزوال لا تخلف وراءها أي بنية باقية أو ثابتة، إن التكنولوجيا يمكن لها في ظروف مختلفة أن تكون مفيدة، ولكن الأمر يتعلق باستخدام النظام الاجتماعي الحالي للوسائل التقنية للاتصال السريع؛ من أجل التشويش على المعنى أو استئصاله، في الوقت الذي يزعم فيه أن هذه السرعة تعزز الفهم والاستنارة ".

ويتجلى هذا التضليل في أزمة كورونا التي كشفت مدى خضوع الناس للإعلام وما يقوله بشكل غريب بحيث أصبحوا مستسلمين بل منقادين تماما لما يتم توجيهه من زرع الخوف والهلع وترك التفكير والتدقيق في المعلومات ووزنها.. هذا الانقياد شجع العامل السياسي على الاستثمار في الموضوع " لغرض في نفس يعقوب" كما يقول الدكتور وليد عبد الحي أبرز خبراء المستقبليات العرب.