لا يزال الفتح الإسلامي للأندلس، بسرعته واتساعه، يدهش المؤرخين، إذ لم يسبق له مثيل في التاريخ، ونحن وإن كنا نرى أن العامل الأول لهذا الفتح، كان هو نشر الإسلام، إلا أننا لا ننكر دور العوامل الأخرى، التي مهدت لهذا الفتح، ومنها الصراع الديني، والذي سنسلط عليه الضوء في هذا المقال.

الصراع الديني في أسبانيا قبل الفتح

كان أهل شبه الجزيرة الإيبيرية، قبل ميلاد المسيح عليه السلام، وثنين، كما كان القوط وثنيين أيضا، إلى أن أخذت الديانة النصرانية، تدخل البلاد شيئا فشيئا، في أواخر القرن الثالث الميلادي، وانتشر الدين المسيحي، في شبه الجزيرة على أصله الموحد، أي على مذهب "آريوس"، في القرن الرابع الميلادي، فكان أهلها: يؤمنون بالله الواحد (لا يؤمنون بالثالوث)، ويؤمنون بالسيد المسيح، كنبي مرسل، ولا يعترفون للقساوسة بحق الوساطة بين الله والناس، ولا يجعلون للعذراء مكانا متميزا في العقيدة. وكان آريوس (-336م)، قد أعلن الثورة على القول، بإلوهية المسيح، مؤكدا بشريته، ومقررا أن الأب، وحده هو الإله. ومن هنا وصف أتباعه بالموحدين، وقد أحدثت آراء آريوس الجريئة هذه، أزمة خطيرة، في العالم المسيحي، دينيا وسياسيا (318-320م)، كادت تودي بالإمبراطورية الرومانية، فتدخل الإمبراطور قسطنطين (306-337م)، ودعا إلى عقد مجمع مسكوني (عالمي)، في نيكيا (في آسيا الصغرى)، والتي يسميها العرب نيقية، سنة 325م.: "وقد أدان معظم الأساقفة المجتمعون في نيقية البدعة الآريوسية، وحكموا على آريوس وأنصاره بالطرد من الكنيسة، وفرضوا (قانون الإيمان) الذي كرّس عقيدة التثليث و"وحدة الجوهر"ليسوع والأب. وفي سنة 400م، عقد الرهبان القوط، في طليطلة اجتماعهم الأول، وقرروا الانضمام إلى مبادئ الثالوث المعلنة، في "نيكيا"، غير أن الدولة القوطية، بقيت على مذهب آريوس الموحد. وبقي هذا الحال كذلك، إلى 8 مايو سنة 589، حيث عقد اجتماع مجمع طليطلة الكنسي الثالث، الذي انضم إليه الملك "ريكاردو". وقد شجب القساوسة والملك مذهب آريوس، في هذا الاجتماع، وتحولت الدولة من التوحيد إلى التثليث. وتبع ذلك اضطهاد متواصل للموحدين دام سنين طويلة. وتشبث أهل الأندلس، جنوب شبه الجزيرة الأيبيرية، بمذهب التوحيد، ولم يرضوا عنه بديلا، واضطروا بعد سنين من العذاب، إلى إخفاء عقيدتهم الحقيقية"، واللجوء إلى المعارضة، في السر، لإعادة الدولة، والكنيسة للمذهب القديم. وهذا يعني أن قرار التحول من الأريوسية إلى الكاثوليكية، لم يحقق وحدة المجتمع الإسباني الدينية والسياسية،  كما اعتقد الملك ريكاردو ومن أوحى له بذلك، فهو كما قال المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال: "لم يشف الغليل لفترة طويلة لأنه أمدّ رجال الدين بالقوة وحولهم إلى مشاركين في ممارسة السلطة. لقد أصبحوا، بالإضافة إلى النبلاء، يملون وجهات نظرهم، وقراراتهم على الأمراء الحاكمين، وأصبحت اجتماعات المجامع الكنسية، التي كانت تعقد بصفة دورية في طليلطلة، تضارع المجالس الملكية".

انعكاس الصراع الديني على الوضع السياسي

واستمر الحال كذلك حتى سنة 702، عندما تولى غيطشة، زعامة القوط، بعد وفاة والده الملك "أخيكا"، فقد قام غيطشة، بإبعاد رجال الدين عن مجلسه، وحرمهم من بعض امتيازاتهم. ولذلك سادت الفوضى، في اسبانيا في عهده، نتيجة للمؤامرات المتوالية، التي كان كبار القوط الطامحين للسلطة يدبرونها، بالتنسيق، مع رجال الدين الكاثوليك، وذلك لكي يتخلصوا منه، ويعهدوا بالعرش لواحد منهم، يحظى برضا الكنيسة الكاثوليكية، وكان الصراع، في جوهره دينيا، بين مذهب آريوس، ومذهب التثليث. ولأن غيطشة كان قد بلغ من الكبر عتيا، وأيضا لكي يقطع طريق العودة، على أنصار مذهب التثليث، فقد أراد أن يخلفه ولده الصبي وقلة (أكويلا). ومن أجل أن يعده للجلوس على العرش، عمد إلى تعيينه دوقا، أي حاكما عسكريا، على الولايتين الطركونية والناربونية، في الشمال الشرقي لأسبانيا، تحت وصاية، رخشندش، الذي يُقال أنه أخو غيطشة: إلى جانب ذلك قام غيطشة بعدة تدابير أخرى، ضد إرادة الكنيسة الكاثوليكية، بغية إضعافها، والحد من نفوذها. وكما كان متوقعا، فإن هذه التدابير، أثارت سخط، وجهاء القوط، وأدت إلى تآمر البعض، لكن جميع المؤامرات اكتشفت، وعُوقب مدبروها بشدة من قبل غيطشة، فقد: عاقب تيودفريدو دوق قرطبة، بسمل عينيه، ونفى ثائرا آخر، اسمه بلايه من البلاط. ولكن يبدو أنه عندما مات غيطشة، في العام 709 أو 710، بادرت جماعات قوية من نبلاء القوط، ورجال الكهنوت "أصحاب التثليث" في مجمع طليطلة، إلى انتخاب الدوق لذريق، الذي كان يقيم بقرطبة، ملكا على أسبانيا، رغم أنف الجزيرة، كلها المعادية له، وقال ابن القوطية بعد أن ذكر أبناء غيطشة: وكانوا صغارا عند وفاة أبيهم، فضبطت عليهم أمهم ملك أبيهم بطليطلة، وانحرف لذريق، وكان قائدا للملك أبيهم، بمن يطيف به من رجال الحرب، فاحتّل قرطبة". ويترتب على ذلك اندلاع الحرب، بين لذريق وأنصاره الكاثوليك من جانب، وبين رخشندش: معلم أخيلا، وأنصاره الآريوسيين، من جانب آخر. وفي غضون ذلك يزحف لذريق على رأس أنصاره من قرطبة، ويلتقى برخشندش، وحزب عيطشة، في واقعة حاسمة، يُقتل فيها رخشندش، ويتفرق أتباعه. غير أن وقلة ِاستمر في مقر حكمة بالشمال، محتفظا بمقاطعته، التي عينه عليها والده، بل إنه صك نقودا، تحمل اسمه، في طركونة، وأربونة، كما لو كان عاملا مستقلا، وظل أنصار وقلة يشكلون حزبا، مناهضا للذريق، وللكنيسة الكاثوليكية، التي عادت، إلى أسلوبها القديم، في انتهاج سياسة عدوانية، تقوم على استئصال المخالفين، وأولهم الآريوسيين، الذين اعتبروا بنظرها هراطقة.

حزب غيطشة وفتح المسلمين للأندلس

وعلى الرغم من أن لذريق، وفقا لما تذكره إحدى الروايات، قد صالح أولاد غيطشة، بعد ذلك، وضمهم إلى صفوفه: "وأصبحوا قوادا في جيشه، وهي الرواية الأكثر احتمالا"، كما قال المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال، إلا أن ذلك، لم ينتزع بذور العداء والحقد، من صدورهم. ولما غزا المسلمون أسبانيا، بقيادة طارق بن زياد، وكان ذلك في العام التالي، لتبوء لذريق عرش المملكة القوطية، حاول لذريق جمع شمل القوط، تحت رايته، لكي يكونوا يدا واحدة على عدوهم، ومن ضمنهم أولاد غيطشة: "وقد ترعرعوا وركبوا الخيل": فدعاهم لمساعدته، وهو ماضٍ لقتال طارق، فأجابوه لطلبه، امتثالا للقانون، الذي يحتم عليهم طاعة الملك، وإن كانت صدورهم منطوية على كراهيته، وعداوته، وعدم الثقة به، فاتفقوا فيما بينهم على التخلي، عنه حين مواجهة العدو. وكتبوا إلى طارق بن زياد كتابا يعلمونه بذلك عشية المعركة. وهكذا كان وقلة وأتباعه، إلى جانب حليفهم يوليان حاكم سبتة، ممن ساعدوا المسلمين، على تحطيم جيش لذريق، في معركة، وادي لكة الحاسمة، (رمضان 92هـ/ تموز 711م). وطبقا للمصادر الأسبانية والغربية، فإن جناحي الجيش القوطي، كانا تحت إمرة مؤيدي "أخيلا"، أي وقلة، وربما تحت إمرة إخوة هذا الأمير، وبمجرد أن بدأت المعركة، ولّى قادة الجناحين، مع جنودهم الأدبار، وحاول لذريق الثبات بقلب جيشه، لكنه لم يجد في النهاية، بدا من التقهقر، أمام ضغط المسلمين، الذين تعقبوه، وأنزلوا به خسائر فادحة. وتساقطت بعدها مدن اٍسبانيا الكبرى بأيدي المسلمين الواحدة تلو الأخرى، وبسط المسلمون سيطرتهم على هذا الإقليم الواسع في غضون ثلاث سنوات. يقول المفكر الفرنسي روجية جارودي: "وكانت أسبانيا ما قبل الإسلام مسيحية، وفي شطر كبير منها آريوسية، مع طوائف يهودية هامة. وهذا الفارق لا يفسَر فحسب بسرعة التوسع بل وشكله كذلك، لم يكن فتحا عسكريا، ففي شبه الجزيرة الآيبيريه لم يكن فتحا عسكريا بغزاة أجانب، ولكن قبل كل شيء كان حربا أهلية (بين مسيحيين قابلين بعقيدة الثالوث وألوهية يسوع المعلنة في مجمع نيقية (عام 325) ومسيحيين "موحدين" أعني رافضين للثالوث، ولا يرون في يسوع إلها وإنما رسولا موحى له من الله)، ثم حدث بعد ذلك تحول ثقافي ممتد ما يقرب من قرن ونصف: وإذن فقد كان للخلافات، الدينية أثر بعيد، في تيسير الفتح الإسلامي للأندلس، كما أن لها نفس الأثر، في فتح مصر، حيث قامت جموع غفيرة من السكان بمساعدة العرب في وضع حد للحكم البيزنطي.