"حان الوقت للعالم الإسلامي كي يصلح خطأه الذي ارتكبه في 1948"

هذا ما بدأ به الرئيس الأمريكي ترامب مؤتمره الصحفي الذي عقده يوم الثلاثاء الماضي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو معلنا فيه خطة الإسلام الإسرائيلية العربية والمشهورة بصفقة القرن.

ورد عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو قائلا "صفقة القرن هي فرصة قرن، ولن نفوتها"، ووصف نتنياهو ترامب، بأنه "أعظم صديق لإسرائيل في البيت الأبيض" ومن ناحيته صرح ترامب، في هذا المؤتمر صحفي، إن خطته "قد تكون الفرصة الأخيرة" للفلسطينيين.

فهل هذا الإعلان بمثابة نقلة جديدة في الصراع على فلسطين، أم هو مسرحية، أو بروباجندا سياسية يقصد بها معلنوها نوايا أخرى بعيدة عن هذا الصراع؟

عند تتبع تاريخ ما يعرف بصفقة القرن، نجد أن الحديث عما يطلق عليه صفقة القرن، بدأ منذ عام 2017 عند بدء فترة رئاسية في الولايات المتحدة، وإعلان إدارة ترامب الجديدة أنها بصدد اعداد خطة سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن هذه الخطة يعكف عليها جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي، وهو أمريكي يهودي وتم الإعلان حينها على أن هذه الخطة سوف يتم طرحها في مطلع عام 2018، وأطلقت عليها صفقة القرن، وبالرغم أنه تم تأجيل الاعلان عنها عدة مرات، إلا أن التسريبات حول مضمون تلك الاتفاقية، جعلها أشبه بلغز كبير وطرح أسئلة حول مضمونها وماذا يراد منها، خاصة أنه تم استخدم كلمة صفقة القرن وهو تعبير يلاءم طبيعة ترامب الذي جاء إلى الرئاسة بخلفيته التجارية كونه رجل أعمال، ولكن مما اعطى هذه الصفقة بعدها الخطير، هو توالي زيارات المسئولين الأمريكان للمنطقة طوال العامين الماضيين وخاصة جاريد كوشنر، الذي يعتبر مهندس هذه الصفقة وحرصهم على اجراء تعديلات على هذه الاتفاقية واعدادها بصورة نهائية، حتى جاء الاعلان عنها في مطلع هذا العام 2020.

ماذا يقول هذا الإعلان وتلك الخطة، التي قال ترامب عنها أنها تتألف من 80 صفحة والتي اعتبرها "الأكثر تفصيلا" على الإطلاق؟ وما أوجه الفرق بينها وبين ما طرح من تسريبات سابقة باتت أشبه بيقينيات؟

استعرض ترامب في مؤتمره الصحفي الذي صاحب الاعلان عن صفقة القرن، أبرز ملامح خطته لتسوية النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني، فبين أنها تقوم على حل واقعي بدولتين مضيفا أن الدولة الفلسطينية المقبلة ستكون متصلة الأراضي، ولكن سيتم ربط الدولة الفلسطينية المقترحة بطرق وجسور وأنفاق من أجل الربط بين غزة والضفة الغربية، وأن القدس ستبقى عاصمة غير مجزأة لإسرائيل، وفي نفس الوقت ألمح ترامب أنه يمكن أن تكون هناك "عاصمة فلسطينية في القدس الشرقية"، وأن الولايات المتحدة ستقيم في نهاية المطاف سفارة لها هناك، واقترح تجميد البناء الإسرائيلي لأربع سنوات في المنطقة المقترحة للدولة الفلسطينية.

ولم يوضح ترامب بالتفصيل الحدود التي يتصورها لعاصمة إسرائيل "غير المقسمة"، في الوقت الذي يتحدث فيه عن عاصمة لدولة فلسطينية في القدس الشرقية.

هذا هو ملخص صفقة القرن فهل هذا الاعلان يختلف عما سبقه من مشاريع لما يعرف بالسلام في المنطقة؟

الخطة التي طرحها ترامب ليست جديدة، ولكن الجديد هو تسميتها بصفقة القرن فقد جرى الحديث عن جزء من ما يقوله الآن في عام 2006، ضمن ما عرف بتفاهمات أولمرت-عباس، التي قيل حينها إنها مشاريع اتفاقات تنتظر نتائج الانتخابات "الإسرائيلية" التي جرت بغير ما تشتهيه سفينة أولمرت.

وفي عام 2010 كتب مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق جيورا أيلاند، مقترحاً بأحد حلَّين لتسوية القضية الفلسطينية: أولهما؛ فدرالية أردنية-فلسطينية؛ من خلال إعادة تأسيس الدولة الأردنية على شكل ثلاث ولايات: الضفة الشرقية، والضفة الغربية، وقطاع غزة.

والثاني؛ تبادل المناطق: وهو مبني على أساس أن تتنازل مصر عن 720 كيلومتراً مربعاً من أراضي سيناء لصالح الدولة الفلسطينية المستقبلية، بإضافة مستطيل يمتد من رفح إلى حدود مدينة العريش طوله 24 كيلومتراً وعرضه ثلاثون كيلومتراً.

ومع أن مقترحات أيلاند لم تترجم إلى خطة رسمية معلنة؛ فقد كشفت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في فبراير 2017 عن لقاء سري عقد بالعقبة في الأردن خلال إدارة أوباما، وتحديداً في 21 فبراير 2016، بحضور زعماء في المنطقة ونوقشت خلاله أفكار جديدة للحل النهائي، وطُرحت خطة إعطاء أراضٍ من سيناء للفلسطينيين.

إذا كانت هذه هي صفقة القرن، وإذا لم تكن هناك مفاجأة أو جديد ينتج عنه إجراءات على الأرض فعلية، فلماذا طرحت الآن؟ وهل لهذا التوقيت من مغزى؟

ويجيب عن هذا التساؤل أيضا الصحفي الشهير توماس فريدمان في النيويورك تايمز، فكتب يقول: بالنظر إلى توقيت إطلاق خطة الرئيس ترامب للسلام في الشرق الأوسط، يجب أن أبدأ بالسؤال: هل هذه الخطة تتعلق بدولتين لشعبين، أم أنها تتعلق بتضليل واحد لقائدين قذرين ومن يساعدهم من الحكام؟

وعلى نفس الطريق، نشر الكاتب انثوني هاورد في صحيفة الديلي تلغراف البريطانية مقالا رأى فيه، أن الكثيرين باتوا يتساءلون هل ما أعلن عنه ترامب بالفعل اتفاق للسلام، أم هو مجرد صفقة تخدم بشكل واضح مصالح ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وتجزم صحيفة بلومبيرغ الأمريكية في تقرير مطول لها، تلك الحقائق وتقول إن ترامب يصرف الانتباه عن عزله، ويحاول نيل فرصة أخرى، لتعزيز دعمه من الإنجيليين المسيحيين وغيرهم ممن يفضلون ما تريده الحكومة الإسرائيلية.

بينما تشير صحيفة واشنطن بوست، إلى أن ترامب أعلن عن صفقته المزعومة في وقت يصارع فيه مع إجراءات عزله من منصبه، وكذلك بالتزامن مع الأيام العصيبة التي يمر بها نتنياهو جراء قضايا الفساد التي تلاحقه.

أي أن هذا الإعلان ما هو إلا انقاذ نتنياهو وترامب: سواء بصرف الأنظار عن محاكمة نتنياهو، الذي يواجه تهما بالفساد وخيانة الأمانة وتلقي الرشى، فضلا عن عدم اكتمال النصاب القانوني داخل الكنيست ليتمكن من تشكيل حكومة، بينما ترامب يواجه إجراءات عزل علنية على قنوات التليفزيون وفي مواقع الانترنت بتهمتي استغلال السلطة وعرقلة عمل الكونغرس، ليصبح بذلك ثالث رئيس في تاريخ الولايات المتحدة يواجه إجراء رسميا لعزله، وما يتبعه ذلك من نزاع بين نواب وأعضاء مجلس الشيوخ في كل من الحزبين الرئيسيين في أمريكا.

وبالرغم من أن هذه الصفقة ليست سوى مولود ميت من الناحية الدبلوماسية والسياسية، ولكن ما يجري تنفيذه على الأرض فهو محكوم لقوة الأمر الواقع، وبدفع من الدعم الأمريكي الغير محدود لإسرائيل بصفقة أو بدون، الأمر الذي لا يجدي معه إلا استعادة أدوات القوة لدى المسلمين، لكي يحققوا شيئا من التوازن على الأقل في هذه المرحلة الفاصلة من تاريخ أمتنا.