"كل شيء على ما يرام"

هذا رد فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأول، في أعقاب الهجوم الايراني على قواعد أمريكية في العراق، كما كتبه في تويتر وقال: "كل شيء على ما يرام! لقد أطلقت صواريخ من إيران على قاعدتين عسكريتين في العراق، تقييم الخسائر والأضرار جارٍ الآن، حتى الآن كل شيء على ما يرام! لدينا الجيش الأكثر قوة والأفضل تجهيزاً في العالم، وبفارق شاسع! سأدلي بتصريح صباح الغد".

وجاءت هذه التغريدة بعد أو كرد على تغريدة لجواد ظريف وزير الخارجية الايراني، إذ قال: إنّ الضربة الصاروخية التي شنّتها بلاده فجر الأربعاء ضد القوات الأميركية في العراق، هي إجراء انتقامي "متكافئ" مع اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني بضربة أميركية في بغداد قبل أيام، مشيراً إلى أن طهران ستكتفي بهذا الرد ولا تسعى لتصعيد.

وأضاف ظريف: "لقد اتّخذت إيران واستكملت إجراءات متكافئة في إطار الدفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، من خلال استهداف القاعدة التي شنّت منها هجمات جبانة ضدّ مواطنينا وضباطنا الرفيعي المستوى"، وأضاف "نحن لا نسعى إلى التصعيد أو الحرب، لكنّنا سندافع عن أنفسنا ضدّ أيّ عدوان".

ويبدو أن هذا الرد كان مهندسا من قبل الجانبين ...

فماذا حدث في الخمسة الأيام الماضية، والتي أعقبت قيام الولايات المتحدة باغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الايراني؟

الرئيس الأمريكي ترامب، قال في تغريدة له على تويتر، بعد ساعات من مقتل سليماني، أن "إيران لم تكسب حربًا أبدا"، مضيفا "لكنها لم تخسر تفاوضًا" وهذا يبين رغبة أمريكية في استمرار التفاوض مع إيران.

وبعدها أعلنت إيران أنها تلقت رسالة من الإدارة الأمريكية، عقب مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، مؤكدة أنها قدمت الرد المناسب على الرسالة عبر السفير السويسري في طهران.

ولكن ماذا تتحدث هذه الرسالة؟ وماذا كان الرد الايراني؟

ولكن جواد ظريف وزير الخارجية الايراني في تصريح له نشرته صحيفة العربي الجديد، وصف الرسالة الأمريكية بأنها كانت "غير عاقلة بتاتاً". وأكمل قائلاً: "رددنا عليها بكل حزم".

ويعود نائب قائد الحرس الثوري الإيراني علي فدوي السبت الماضي، فيشرح بعضا من مضمون الرسالة الأمريكية، فيقول للتليفزيون الإيراني إن بلاده تلقت رسالة من واشنطن تقول فيها، إذا أردتم الانتقام، انتقموا بشكل متناسب مع ما فعلناه، وأشار فدوي إلى أن الولايات المتحدة ليست في موقع يخولها "تحديد" الرد الإيراني، وقال فدوي "على الأميركيين أن يتوقعوا انتقاماً شديداً. هذا الانتقام لن يكون محصوراً في إيران".

وأكد أن "جبهة المقاومة على امتداد مساحتها الجغرافية الشاسعة على استعداد لتحقيق هذا الانتقام".

عضو مجلس خبراء القيادة أحمد خاتمي صرح: اتخذنا قرارا بالثأر لدماء سليماني ولكنه يقول رد إيران سيكون وفق متطلبات أمننا.

وفي تصريح للرئيس الايراني حسن روحاني:" إيران لن تنسى جريمة واشنطن باغتيالها سليماني وستدرك أمريكا خطأها على مدى السنوات القادمة"

ويصف المتحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية أبو الفضل شكارجي طبيعة الرد الايراني وخصائصه فقال، إن إيران "ستتجنب أي خطوات متسرعة في الرد على اغتيال قاسم سليماني".

وقال: "الجمهورية الإسلامية سترد بحزم بالتأكيد على اغتيال سليماني بما يلبي تطلعات الشعب الإيراني والمرشد وشعوب المنطقة".

وحذر شكارجي من أنه "إذا تصرف الأمريكيون بجنون بعد الرد الإيراني فسيتلقون ردا أكثر إيلاما"، معتبرا أن الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية عن أي حرب قد تندلع في المنطقة.

أي أن شاكرجي يريد رد محسوب له هدف، وهو الحفاظ على شكل إيران أمام جمهورها المستهدف.

ويصعد سفير إيران بالأمم المتحدة طبيعة الرد، فيقول لشبكة سي إن إن بأن الرد على عمل عسكري يكون بعمل عسكري.

وبعد أن التقى جواد ظريف وزير الخارجية الايراني بالسفير القطري، صرح بأن طهران لا تريد زيادة التوتر وتعتبر أن وجود القوات الأجنبية هو سبب عدم الاستقرار.

هنا يشير ظريف إلى أن الرد إن كان سياسيا، فيجب أن يكون ثمنه كبيرا وهو خروج أمريكا من العراق.

بينما يؤكد مستشار الأمن القومي روبرت أوبراين: إيران أمام خيارين إما التصعيد وسيكون ذلك خيارا خاطئا أو وقف حروبها بالوكالة.

الأيام الخمسة الماضية كانت مفاوضات حثيثة بين إيران وأمريكا عبر الوسطاء، لتحديد طريقة الرد الذي لابد من تحقيق شرطين معقدين: حفظ ماء الوجه الايراني أمام أنصارها وفي نفس الوقت عدم ضياع هيبة أمريكا، وخاصة أن ترامب قد دخل سنة الانتخابات الرئاسية الأمريكية...

والمفاوضات اذن كانت تجري على طبيعة الرد الايراني، فالأمريكان كانوا يريدون من إيران ردا سياسيا واعلاميا، أما إيران فكانت تصر على رد عسكري، أو إذا كان ردا سياسيا فيجب ان يكون مكسبا سياسيا كبيرا مثل انسحاب امريكا من العراق.

وهذا المطلب هو الذي جرت عليه المفاوضات بين البلدين طوال الفترة الماضية:

ولكي تجعل إيران هذا الأمر واقعا، فقد أوحت إلى الكتلة الشيعية في البرلمان العراقي للاجتماع واتخاذ قرار بسحب القوات الأمريكية من العراق، ففي جلسة استثنائية يوم الأحد الماضي بحضور رئيس الوزراء عادل عبد المهدي صوت البرلمان على قرار يلزم الحكومة بالعمل على إنهاء طلب المساعدة المقدم منها إلى التحالف الدولي بقيادة واشنطن، وإنهاء أي تواجد للقوات الأجنبية على الأراضي العراقية.  

وفي تسريبات مصورة، حذر رئيس مجلس النواب العراقي محمد الحلبوسي من تداعيات قرار إنهاء الوجود الأجنبي في البلاد، موجها حديثه إلى أعضاء المجلس طالبا عدم تسجيل حديثه.

وقال الحلبوسي إن قرارا بإنهاء الوجود الأجنبي في العراق سيؤدي إلى وقف المجتمع الدولي تعاملاته المالية مع العراق، و"قد لا نكون قادرين على الإيفاء بالتزاماتنا المالية أمام مواطنينا في أي لحظة".

ولكن ما أخطر ما قاله الحلبوسي عندما قال "اليوم الحضور شيعي، كنت أتمنى أن يكون كما اعتدنا في الفترات السابقة أن يكون القرار عراقيا، اليوم أنتم الأخ الأكبر ويتحمل مسؤولية الجميع، تتحملون مسؤولية أبناءكم وإخوانكم وأخواتكم من الشيعة والسنة والكرد والأقليات من كل أنحاء العراق".

ويبدو أن الاصرار الايراني قد سبب انقساما داخل الادارة الأمريكية، فقد أبلغ قائد قوة المهمات الأمريكية بالعراق في رسالة رسمية مساء الإثنين الماضي قيادة العمليات المشتركة العراقية، أن قواته تقوم بـ"اتخاذ إجراءات معينة لضمان خروجها من العراق"، وفي وقت لاحق نفى وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر أن تكون واشنطن قد قررت إخراج قواتها من العراق، وأكد إسبر أن "تلك الرسالة لا تتوافق مع موقفنا الحالي". وقال رئيس أركان الجيش الأمريكي الجنرال مارك ميلي إن الرسالة الرسمية الأمريكية "مسودّة" وما كان يجب أن تُرسل" في هذا التوقيت.

هذا التراجع الأمريكي عن هذا الموقف السياسي، ربما أعقبه اتفاق على أن يكون الرد الايراني المرتقب بمزيج من الدعائي على العسكري.

فهل حصل اتفاق جنتلمان بين البلدين بالهجوم الايراني، الذي صعدته إيران اعلاميا وجعجعة كبيرة وتحدثت عن قتل أمريكان حتى أن عظامهم أصبح يسمع طقطقتها على حد تعبير قائد فيلق القدس الجديد؟

بينما تتحدث أنباء عن أنه لا يوجد ضحايا، بينما تقول انباء أخرى أن الضحايا تتركز في العراقيين فقط ولم يقع ضحايا أمريكان...

إن عدم رد أمريكا على الهجوم الايراني، وامتناع الطرفين عن اعلان الخسائر رسميا، ثم بدء إيران بعد الرد العسكري بحملة دعائية وبروباجندا اعلامية، تتحدث عن مقتل أمريكيين، وأنها أخذت ثأر سليماني، يعني أن هذا الهجوم الايراني بات مقبولا من البلدين.

ويلاحظ أن الضربة الايرانية وجهت إلى طرفين: الطرف الكردي في أربيل والطرف السني في الأنبار، وهما الطرفان الذين رفضا الاقتراح الشيعي في البرلمان العراقي بمطالبة الأمريكان بالانسحاب، وفي هذا تهديد ايراني للأكراد والسنة العرب، بأنكم ستكونون تحت القصف الايراني إذا تمردتم على النفوذ الشيعي.

وفي النهاية يبدو أن ترامب قد حقق هدفه بقتل سليماني، وهو تحجيم النفوذ الايراني ليس في العراق في حسب، ولكن في المنطقة ككل باعتبار أن سليماني هو المندوب السامي الايراني لدى الدول التي تعتبرها إيران منطقة نفوذ لها، وخرج بدون خسائر عسكرية أو خسائر سياسية تكر.