منذ الإعلان المشؤوم عن تأسيس الكيان الصهيوني عام 1948، لم يشهد هذا الكيان فشلًا سياسيًا طويل الأمد كالذي شهده خلال عام 2019، إذ فشلت الأحزاب الرئيسية والتكتلات السياسية في تشكيل حكومة جديدة، لتبقى إسرائيل تحت إدارة حكومة تسيير أعمال مؤقتة وسط توتر سياسي كبير طيلة العام الماضي وحتى اللحظة، فيما تستمر الإتهامات في ملاحقة "بنيامين نتنياهو"، والتي ترجح أفول نجمه السياسي عما قريب، دوليًا .. فقد ظلت إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" تضيف مزيدًا من النقاط لصالح الكيان الصهيوني، فبجانب إعترافها السابق قبل عامين بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة واشنطن إليها، والاستخدام المتكرر للفيتو في مجلس الأمن ضد كل قرار يدين إسرائيل، فقد أعلنت إدارة ترامب عن شرعية بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وهو ما أعطى الضوء الأخضر لليهود لإلتهام المزيد من الأراضي الفلسطينية، في هذا التقرير نلقي مزيدًا من الضوء على أهم الاحداث التي شهدها الكيان الصهيوني خلال العام الماضي 2019.

في أبريل الماضي؛ انطلقت الانتخابات العامة في إسرائيل بهدف تشكيل حكومة جديدة، وقد جرت الانتخابات قبل موعدها بشهور، بسبب حل الكنيست على خلفية الصراعات السياسية بين الأحزاب، إضافةً إلى إعلان وزير الدفاع السابق "أفيغادور ليبرمان" استقالته من الحكومة، وفشل "نتنياهو" في تمرير قانون تجنيد المتدينين اليهود، مما عرض حكومته لضغوط سياسية شديدة، خاصةً في ظل ترأسه الحكومة بأغلبية ضئيلة في الكنيست وبفارق مقعدين فقط أمام المعارضة، لكن عقب انتخابات أبريل لم يستطع أيًا من المرشحين حسم الأغلبية البرلمانية لصالحه، وهى 61 مقعدًا كحد أدنى من مقاعد الكنيست، لتبدأ بعدها حرب التنافس على تشكيل حكومة وحدة تضم جميع المرشحين، وهو ما فشل الجميع في إنجازه أيضا، وبالتالي أُعيدت الانتخابات مرة أخرى في سبتمبر الماضي، لكن تكرر سيناريو الفشل مجددًا، حيث لم تتمكن الأحزاب الرئيسية، تحديدًا حزب الليكود برئاسة "نتنياهو" وحزب "أزرق ـ أبيض" بزعامة "بيني جايتس"، من الوصول لنقطة تلاقي، هنا وجد الإسرائيليون أنفسهم أمام خيارين لإنقاذ الموقف من انتخابات عامة ثالثة، أولهما: سنّ قانون جديد لإجراء انتخابات مباشرة بمشاركة شعبية للاختيار بين نتنياهو وجانتس لأول مرة في تاريخ الكيان الصهيوني، وثانيهما: أن يعود التفويض إلى الكنيست لمدة 21 يومًا، كي يختار رئيس الكنيست خلال 14 يومًا شخصية برلمانية توافقية لرئاسة الحكومة وبتوافق أغلبية أعضاء الكنيست، لكن نتنياهو رفض الخيار الأول، وفشل البرلمان في اختيار رئيس توافقي للحكومة، ليتم حل الكنيست مرة أخرى، وتصبح إسرائيل أمام انتخابات عامة ثالثة مرتقبة في مارس 2020.

بعيدًا عن هذه الأزمة السياسية طويلة الأمد؛ فإن "بنيامين نتنياهو" مازال يواجه أزمته الخاصة التي وصلت زروتها في 2019، حيث يواجه عدة اتهامات بالفساد والرشوة والاحتيال، من قِبَل المدعي العام الإسرائيلي "أفيخاي ماندلبليت"، وتعتبر هذه الاتهامات هي الأولى من نوعها بحق رئيس وزراء صهيوني مازال في السلطة، كما أنها تمثل أكبر ورطة قضائية خلال الحياة السياسية لنتنياهو، والذي يعتبر السياسي الأكثر بقاءً في السلطة في تاريخ الكيان الصهيوني، ويواجه نتنياهو 3 قضايا مختلفة، الأولى: هو ووزوجته سارة في القضية الأولى المعروفة إعلاميا بـ "القضية 1000"، والمتعلقة بتلقي هدايا ورشى شملت أنواع مختلفة من السيجار والخمور بقيمة 700 ألف شيكل من رجال أعمال مقابل خدمات وامتيازات، أما القضية الثانية والتى تعرف بـ "القضية 2000"، وهو متهم فيها بالتفاوض قبيل انتخابات 2015 مع ناشر صحيفة "يديعوت أحرونوت"، على صفقة تقضي بمنح الصحيفة نتنياهو تغطية إعلامية إيجابية له ولأسرته، مقابل التضييق على صحيفة "يسرائيل هيوم" المنافسة، أما القضية الثالثة فهى الأخطر والأهم، وهى معروفة بالقضية "4000"، وفيها فإن نتنياهو متهم مباشرة بالفساد من خلال منح مزايا تنظيمية تقدر قيمتها بنحو 1.8 مليار شيكل بين عامي 2012 و2017 إلى أحد المساهمين في شركة اتصالات إسرائيلية، مقابل تغطية إعلامية إيجابية من موقع "والا" الإخباري التابع لتلك الشركة، وضمّت لائحة الاتهام المحالة إلى الكنيست أسماء 333 شاهد إثبات، وقد أشارت بعض التقارير إلى أن طول القائمة يعني أن المحاكمة يمكن أن تستمر لسنوات طويلة.

فيما يخص خطة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والمعروفة بصفقة القرن، فيبدو أن ترامب قد فضّل تأجيلها لبعد إتمام الانتخابات في الكيان الصهيوني، إذ يرغب ترامب في الانتظار ليرى الحكومة التي سيتم تشكيلها قبل كشف النقاب عن خطته، من جهة أخرى فقد شهد العام 2019 قلقًا متزايدًا في إسرائيل من الأزمة السورية، خاصةً في ظل تمركز ميليشات حزب الله والحرس الثوري الإيراني على حدودها، وتواصلت الغارات الإسرائيلية من وقت لآخر في العمق السوري مستهدفة بعض مناطق التمركز الإيرانية، بسبب تخوف إسرائيل من نجاح إيران في إنشاء قواعد عسكرية على أرض سوريا وقاعدة بحرية على البحر المتوسط، وقد ازداد القلق الإسرائيلي مع تردد أنباء عن إطلاق طائرة إيرانية بدون طيار فوق إسرائيل في أوائل فبراير الماضي، ولأول مرة طالت الغارات الإسرائيلية مواقع وأهداف إيرانية أو تابعة لمليشيات موالية لطهران في العراق، كان أبرزها الهجوم على مخازن سلاح تابعة لـ"الحشد الشعبي" العراقي في شمال بغداد، وبالرغم من إنكار إسرائيل المتكرر عن وقوفها وراء تلك الغارات، إلا أن نتنياهو اضطر إلى الاعتراف بشكل ضمني عن هذه الضربات في 20 سبتمبر الماضي خلال إيجاز للصحفيين الإسرائيليين، أما قطاع غزة فقد كان أكثر المتضررين من وحشية الكيان الصهيوني في 2019، حيث تعددت الغارات الجوية والاعتداءت بالقصف المدفعي، وقد جرى استهداف مئات المنازل ومساحات شاسعة من الأراضي الزراعية والمواقع التابعة للفصائل الفلسطينية في مختلف مناطق قطاع غزة، وهو ما تسبب في سقوط العديد من الشهداء الفلسطينين والكثير من الإصابات، خاصةً في ظل استمرار التظاهرات في أيام الجمعة عند نقاط التماس والاحتكاك مع قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي، إحياءً لذكرى نكبة الشعب الفلسطيني السبعين، فيما عُرِفَت بمسيرات العودة، والتي كان لها صدى واسع خلال العام الماضي.

وفي موقف آخر كانت له تداعياته الخطيرة على الأوضاع في فلسطين، فقد أعلنت إدارة ترامب، في نوفمبر الماضي، أن المسستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية تراها شرعية، وهو ما يعني أن الإدارة الأمريكية لم تعد تلتزم بعد الآن بوجهة النظر القانونية لوزارة الخارجية الأمريكية الموضوعة في عام 1978 بأن المستوطنات الإسرائيلية "مخالفة للقانون الدولي"، وفيما رحبت إسرائيل بهذه الخطوة واعتبرت إياها نصرًا تاريخيًا، ظل الاتحاد الأوروبي متمسكًا بموقفه، ومؤكدا أن كل النشاط الاستيطاني بالأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وقد شهد العام 2019 أيضا؛ تواصل الجهود الحثيثة لحكومة الاحتلال من أجل جذب المزيد من الدول لنقل سفاراتها من تل ابيب إلى القدس، في خطوة خبيثة لتهويد المدينة وإعطاء شرعية دولية للوجود الإسرائيلي فيها، وإن كانت هناك بعض الدول التي استجابت للإغراءات الإسرائيلية وحذت حذو الولايات المتحدة فى نقل سفاراتها إلى القدس، لكن هذه الدول لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.

ختام العام 2019 شهد قرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن فتح تحقيق في ارتكاب الاحتلال الإسرائيلي جرائم حرب على الأراضي الفلسطينية، لكن هذا وحده لن يوقف ممارسات وانتهاكات إسرائيل بحق الفلسطينيين، سواء من حيث الاعدامات الميدانية والاستيلاء على الأراضي والتطهير العرقي وهدم البيوت والإهمال الطبي وإساءة معاملة الأسرى والصحفيين، والحصار والإغلاق المفروضين على الفلسطينين، خاصة في قطاع غزة، لتستمر المأساة وتتواصل المعاناة، فيما يستمر الشعب الفلسطيني في صموده وبقاءه ونضاله من أجل نيل حريته واستقلاله، عبر إنهاء الاحتلال الاسرائيلي وتجسيد استقلال دولة فلسطين بعاصمتها القدس لتعيش بآمان وسلام كأي دولة مستقلة في هذا العالم.