عندما قام شيعة العراق، بالتعاون مع أهل السنة في العراق بالانتفاضة والثورة ضد إيران وأذرعها الشيعية في العراق، ونددوا بتدخلها وهيمنتها على القرار السياسي العراقي، ولاقوا في سبيل ذلك القتل والتصفية والمطاردة.... أثار ذلك التفكير والسؤال، لماذا لا يثور شيعة لبنان مثلهم على إيران وذراعيها في لبنان: سواء حزب الله او حركة أمل؟

ففي اليومين الماضيين، ظهر مناصرون لحركة أمل وحزب الله في مواجهة الحراك الشعبي اللبناني، وظلوا يهتفون (شيعة ...شيعة) وكأن الشيعة أصبحت في مواجهة أهل السنة والمسيحيين في لبنان، حتى أن هؤلاء الشراذم الشيعية توجهوا إلى بعض أماكن تركز السنة في لبنان في منطقة قصقص ببيروت، وأيضا توجهوا مكان لتمركز الموارنة المعادين لنفوذ حزب الله في لبنان في منطقة الأشرفية في بيروت، وتعمدوا استفزاز أهالي المنطقة مما أدى إلى اشتباكات خاصة مع شباب السنة، الذين نجحوا في تحطيم أحد الدراجات البخارية الخاصة بالشيعة، فما كان منهم أن أطلقوا الرصاص عليهم، ولم يكتف هؤلاء الشيعة بذلك بل في مدينة صور وبعلبك قاموا بحرق خيام المتظاهرين.

ولكن هل كل شيعة لبنان لهم نفس موقف حزب الله، الذي يربط مصير لبنان ببوصلة الاستراتيجية الايرانية؟ أم أن هناك أطيافا مختلفة من تلك الطائفة، تعارض توجهات الحزبين وترفض الهيمنة الايرانية ولا ترضى أن يعلق مصير الشيعة بها؟  

وللإجابة على ذلك يلزمنا تأمل المشهد الشيعي في لبنان:

بدأ الشيعة ينتظمون في العمل السياسي والعسكري في لبنان ليكونوا كتلة طائفية بعيدة عن أهل السنة مع وصول موسى الصدر إلى لبنان عام 1960، حيث تم تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في العام 1969، لتوحيد كلمة الطائفة الشيعيّة بتشجيع ودعم من الزعماء المسيحيين؛ رغبة منهم في تفتيت المشهد الاسلامي في لبنان الذي كان يهمين عليه أهل السنة لاعتبارات تاريخية وديموغرافية عديدة، ثم تلاها بتأسيس أفواج المقاومة اللبنانية المعروفة بحركة أمل عام 1974، حتى اختفى الرجل عام 1978 أثناء زيارته للقذافي في ليبيا، وانتخب من بعده نبيه بري عام 1980 كرئيس لحركة أمل، وقيل في اختفاء الصدر روايات عديدة، أبرزها ما ذكره الكاتب الأميركي كاي بيرد في كتابه "الجاسوس النبيل" والتي كررها أندرو سكوت كوبر في كتاب "سقوط الجنة" عن الأسرة البهلوية، ومما جاء فيها أن المسؤول عن قرار تصفية الصدر كان رجل الدين الإيراني محمد حسيني بهشتي، الذي أوعز للقذافي بالقيام بذلك.

وبحسب الرواية التي ينقلها بيرد عن عميل وكالة الاستخبارات الأمريكية، روبرت إيمز، والتي نقلها بدوره عن قناة اتصاله بحركة فتح الفلسطينية علي حسن سلامة، تنتهي بمحاولة ياسر عرفات التوسط لإطلاق سراح الصدر، لكن القذافي يتصل ببهشتي عارضاً عليه الأمر، فيصر الأخير على أن الصدر يشكل خطراً مباشراً، لا على الثورة في إيران فحسب، بل على حياة مؤسس الثورة الخميني أيضاً، ويعدم الصدر ويدفن في مكان مجهول.

وعلى ما يبدو فإن قيادة إيران الجديدة، بعد أن قامت الثورة بخلع الشاه وجاء الخميني الذي كان على غير وفاق ما توجهات موسى الصدر، فأراد تشكيل تنظيم جديد يسيطر على الشيعة في لبنان، ويكون ذراعا حقيقيا لتوجهات الخميني ونظام الآيات، الذي بات يحكم إيران ويرغب في احياء آمال الامبراطورية الفارسية بلباس طائفي مذهبي.

وبالتدريج وبواسطة الأموال والدعم الايراني، أخذ حزب الله يستحوذ على النفوذ داخل الطائفة الشيعية في لبنان، ساحبا البساط من تحت أقدام حركة أمل، التي كانت ولازالت مؤيدة من جانب نظام الأسد، الذي بدأ بدوره في الهيمنة على لبنان ووضع الطوائف المختلفة تحت نفوذه، ومن يأبى سواء من الشخصيات المستقلة، أو من جانب التنظيمات المسلحة، فإنه يتم التخلص منه سواء بالاغتيال أو بنزع سلاحها بالقوة العسكرية، ولكنه مع أمل وحزب الله، فقد خضعت تعاملاته معهما بعلاقاته مع نظام الآيات، الذي بات الحليف الوحيد للأسد.

وفي النهاية مع تراجع النفوذ السوري في لبنان، نتيجة اغتيال الحريري ثم الثورة السورية، بات حزب الله هو صاحب النفوذ الأكبر في لبنان وليس عند الشيعة فقط.

ولكن مع تمدد النفوذ الايراني في لبنان بواسطة حزب الله، ظهرت جماعات وشخصيات شيعية ترفض النفوذ الايراني وذراعه، إما خلاف عقائدي بين الآيات حول ولاية الفقيه، أو خلاف سياسي لاعتبارات تنافسية مع الحزب، أو لإحساسها الوطني بأن الطائفة الشيعية باتت مرتهنة بالنفوذ الايراني.

وقد تسلط الضوء على المعارضين الشيعة، بعد اغتيال الرئيس السابق للحكومة رفيق الحريري في عام 2005، فخرج هؤلاء إلى العلن لأول مرة، وألفوا ما عرف بـاللقاء الشيعي الذي ضم معارضين للحزب.

ولكن نفوذ الاعلام الشيعي الموالي للحزب حينذاك قد شهر بهؤلاء، وتم تصنيفهم على أنهم خونة، وأُعطوا اسما هو شيعة السفارة أو شيعة فيلتمان، بالإشارة إلى السفير الأميركي الأسبق في لبنان جيفري فيلتمان.

ولكن مع تراجع نفوذ حزب الله في لبنان، نتيجة لفقد جزء كبير من الدعم المالي الايراني، الذي بات نظامها في حالة حصار واستنزاف لموارده في حروب سوريا والعراق واليمن، بدأ الدعم الشعبي داخل طائفته يتراجع.

وترصد مجلة فورين بوليسي الأمريكية في تقرير لها من لبنان مظاهر الغضب الشيعي في لبنان، فتقول إن تورط الحزب المكلف في الحرب السورية، وضغط العقوبات الأميركية الذي أجبره على خفض الرواتب والخدمات، مما أدى إلى توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء داخل أنصار حزب الله.

كذلك أُجبرت قاعدة حزب الله الجماهيرية، على قبول نبيه بري كرئيس للبرلمان، باعتباره ضرورة للحفاظ على الائتلاف ووحدة الصف الشيعي، لكن فساد حركته أمل المعروف كان يتعارض مع رواية الحزب عن الشفافية والنزاهة، وعندما بدأ الاقتصاد اللبناني في التدهور، وتقلص الدعم المالي للحزب، لم يعد بإمكان الكثير من الشيعة دفع فواتيرهم، وبالتالي أصبحوا أقل تسامحاً مع فساد أمل وثرواتها الفاحشة.

وتقول المجلة، إن انتصارات الحزب لم تنعكس بشكل إيجابي على حياة الناس العاديين، ربما استفادت إيران من انتصارات الحزب، لكن شيعة لبنان أصبحوا أكثر عزلة من الماضي. ولهذا السبب، فانضمامهم للتظاهر هو محاولة لتأكيد هويتهم اللبنانية بدلاً من الدينية التي خيبت أملهم.

ويقول الكاتب والصحافي اللبناني علي الأمين، أحد المصنفين من شيعة السفارة والذي يدير موقع جنوبية المتخصص بشؤون الجنوب اللبناني: معظم القوى الشيعية تعتبر نفسها في البعد السياسي منتمية إلى أطر وطنية، تبتعد عن الجانب الأيديولوجي المذهبي – الطائفي، وليس هناك مشروع شيعي لهذه القوى، بل ويجزم الأمين بأنها تنتمي بطبيعتها إلى الهوية اللبنانية، وعنوانها السياسي الذي يجعل لبنان وطنا، والهوية الوطنية هي الهوية المتقدمة على كل الهويات. ويرى الأمين أن حزب الله أوغل في هويته الأيديولوجية التي تجعله يعتقد أن من حقه أن يكون موجودا أينما احتاج الأمر، سواء في اليمن أو العراق أو سوريا، وهذا غير موجود لدى معارضيه الشيعة وجزء كبير من الشيعة غير المسيسين.

ونختم هذه المقالة بتصريح الأمين العام السابق لـحزب الله صبحي الطفيلي "ان الحضور الشيعي المعارض للثنائي حزب الله وحركة امل في المناطق المحسوبة عليهما كان أفضل بكثير في السابق، الا انه تراجع لأسباب منها تواطؤ الجميع مع الثنائي، لكن اليوم الوضع تغيّر وعاد الصوت الشيعي إلى بعض عافيته، والأمل أن يستعيدها كاملة".