في سابقة هى الأولى من نوعها في تاريخ الكيان الإسرائيلي، قام رئيسه "رؤوفين ريفلين" بتكليف الكنيست باختيار رئيس للوزراء خلال مهلة تنتهي بعد 21 يومًا، وذلك تجنبًا لإجراء انتخابات جديدة. فما السر وراء فشل نتنياهو وجانتيس في تشكيل الحكومة في إسرائيل؟، وهل من المتوقع أن تُجرى انتخابات ثالثة؟، وما مصير الاتهامات الموجهة لنتنياهو بالرشوة والفساد، ودلالات حديثه حول أن هذا انقلاب ضده؟، وفي الإطار.. ما هى توقعات ومستقبل الحكومة التي سيتم تشكيلها في نهاية المطاف، وتأثير ذلك على صفقة القرن والصراع العربي ـ الإسرائيلي؟

الملجأ الأخير

تكليف "رؤوفين ريفلين" للكنيست باختيار رئيس للوزراء يعدّ هو الملجأ الأخير ـ بحسب قانون الكيان الإسرائيلي المحتل ـ عندما تعجز الشخصيات التي سمّاها الرئيس على تشكيل حكومة، وفي ظل النظام السياسي الحالي القابع في حالة من الجمود منذ أواخر عام 2018، جرت انتخابات مرتين لم تكن فيها النتائج حاسمة، وقد قال ريفلين أمام الكنيست: "نحن في فترة مظلمة في تاريخ إسرائيل، ابتداءً من الخميس ولمدة 21 يومًا، سيكون قرار من سيتولى مهمة تشكيل الحكومة في أيدي أعضاء الكنيست".

فشل نتنياهو وفساده ومستقبله السياسي

بعد إجراء الانتخابات العامة مرتين، فشل رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي "بنيامين نتنياهو" في تشكيل حكومة جديدة، فاضطر إلى إعادة التفويض للرئيس الإسرائيلي الذي أعلن بدوره أنه سيكلف "بيني غانتس" بتشكيل الحكومة. فـ"نتنياهو"، الذي يتزعم حزب ليكود اليميني، أخفق في جمع عدد كاف من نواب الكنيست للانضمام للائتلاف الحكومي، في أعقاب انتخابات برلمانية غير حاسمة في سبتمبر، فاضطر إلى إعادة التفويض قبل يومين من انتهاء الموعد النهائي لتشكيل الحكومة، وتعدّ هذه هي المرة الثانية خلال عام ونصف العام، التي يفشل فيها نتنياهو في تشكيل الحكومة، إذ لم يحقق الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل حكومة بمفرده، حيث جاء حزب اليكود ثانيًا بـ31 مقعدًا، بعد حزب "أبيض ـ أزرق".

لكن نوائب نتنياهو لا تأتي فرادى، ففي أعقاب فشله في تشكيل الحكومة، قرر المدعي العام الإسرائيلي "أفيخاي ماندلبليت" توجيه اتهامات له بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، مما يعقد من مستقبل نتنياهو السياسي، وأصدرت وزارة العدل الإسرائيلية بيانًا، ذكرت فيه أن باستطاعة "نتنياهو" أن يتحدث في جلسة استماع، لم يتحدد موعدها حتى الآن، ليقدم دفوعًا قانونية تحول دون توجيه الاتهامات، وفي التحقيقات المطولة يواجه نتنياهو اتهامات بحصوله وأفراد أسرته على هدايا بشكل منتظم من اثنين من رجال الأعمال، إضافة إلى اتفاق مزعوم مع مالك صحيفة "يديعوت أحرونوت" من أجل تغطية أفضل، مقابل تقييد توزيع صحيفة منافسة.

وينفي نتنياهو ارتكاب أي مخالفات، ووصفها بأنها "حملة اضطهاد دوافعها سياسية"، وتعهد بإثبات براءته، وأضاف: "لا يوجد أساس لتلك المزاعم، بيت الورق هذا سينهار برمته"، وقد أعرب "نتنياهو" عن نيته البقاء في منصبه لعدة سنوات، كما أن القانون الإسرائيلي لا يلزمه بالاستقالة، لكن مراقبين متخصصين في الشأن الإسرائيلي يقولون إن من شأن هذه الاتهامات أن تنهي حياة نتانياهو السياسية بشكل دائم.

جانتيس يفشل، والوضع يزداد تعقيدًا

بعد فشل "نتنياهو"، تم تكليف "بيني غانتس"، زعيم حزب "أزرق أبيض"، لتشكيل الحكومة، لكن قبل انتهاء المهلة الممنوحة له أعلن فشله هو الآخر في الوصول إلى التوافق المطلوب لتشكيل الحكومة، وقد وجّه "غانتس" في وقت سابق، اتهامات لـ "نتنياهو" بعد فشل محادثات عقدها معه بشأن تشكيل حكومة وحدة، لكن هذا الفشل المتواصل يزيد من احتمالات توجه إسرائيل إلى مراكز الاقتراع للمرة الثالثة خلال عام واحد، وكان حزب "أزرق أبيض" قد تصدر الانتخابات الأخيرة بحصوله على 33 مقعدًا، متقدمًا بمقعدين على حزب "الليكود"، إلا أن أيا من الحزبين لم يتمكن من تشكيل ائتلاف يضمن له 61 مقعدًا، وبالتالي تشكيل حكومة أغلبية في الكنيست المؤلف من 120 مقعدًا.

بحسب القانون الإسرائيلي، فإن فشل نتنياهو وغانتس في تشكيل حكومة جديدة، يحيل الأمر برمته إلى الكنيست الإسرائيلي، مع مهلة محددة بـ 21 يومًا لترشيح عضو في الكنيست قادر على ذلك، ولهذا فقط استدعى الرئيس الإسرائيلي "رؤوبين رفلين" رئيس الكنيست "يولي أدلشتاين"، وسلّمه كتاب التفويض، ومنحه مهلة 21 يوماً لإنجاز المهمة، وفي حال أخفق الكنيست في هذا الأمر، ستتم الدعوة إلى انتخابات جديدة ستكون الثالثة في أقل من عام. ومن المرجح أن تُجرَي في مارس المقبل، ولأول مرة، سيكون أمام أي عضو في الكنيست الإسرائيلي، بما في ذلك غانتس ونتنياهو، 21 يومًا للفوز بموافقة 61 عضوا على الأقل ليخوض تجربة تشكيل حكومة ائتلافية، لكن من غير المرجح ظهور مرشح جديد وناجح حاليًا، خاصةً في ظل النظام الحزبي المتشرذم الراهن.

ملامح الحكومة المقبلة

لا ملامح واضحة للحكومة الجديدة؛ خاصةً في ظل الحزبية الإسرائيلية القائمة والتي لم يسبق لها مثيل، ولعل هذا ما دفع "رفلين" إلى إلقاء كلمة وبّخ فيها قادة الأحزاب الذين أفشلوا إقامة الحكومة بدوافع أنانية ومصالح ضيقة. فالخطابات الأخيرة التي ألقاها قادة الأحزاب الإسرائيلية هى عمليًا خطابات انتخابية، سواء كانت خطابات "بنيامين نتنياهو"، أو خطابات "أفيغدور ليبرمان"، رئيس حزب اليهود الروس، وهو الذي أجهض محاولات نتنياهو وغانتس لتشكيل الحكومة، والأمر ذاته بالنسبة لحزب "يوجد مستقل" وزعيمه "يائير لبيد".

لكن بغض النظر عن هوية رئيس الحكومة المقبلة، وسواء كانت حكومة صهيونية بدون الأحزاب العربية الموجودة داخل إسرائيل، أو حكومة وحدة وطنية، فإن الفرق بينهما لن يكون كبيرًا، خاصةً فيما يتعلق بالخطوط العريضة في الشؤون القومية والوطنية والأمنية، فقط سيكون هناك اختلافات في وجهات النظر الداخلية، لكن دون ابتعاد عن المسار الرئيسي لكل الحكومات السابقة، فبالنسبة للملفات الخارجية، مثل إيران وغيرها، فهي سياسة إسرائيلية رسمية والكل متفق عليها، وستستمر من دون أي تغيير.

صفقة القرن والقضية الفلسطينية

خيبة أمل يعيشها البيت الأبيض والرئيس "دونالد ترامب" شخصيًا، وكذلك صهره "جاريد كوشنير" من الوضع المتأزم في إسرائيل، كونه يعقد خطوات إتمام خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط، والمعروفة بـ "صفقة القرن". فقبل أسابيع، التقى الرئيس الإسرائيلي "رفلين"، مع المبعوث الأمريكي السابق لعملية السلام "جيسون غرينبلات"، إذ حاول المبعوث الأمريكي أن يتأكد من أن الحكومة الجديدة في تل أبيب، وبغض النظر عن هوية رئيسها، ستؤيد الصفقة، وقد أكد "غرينبلات" حينها عقب اللقاء، بأن "الرئيس دونالد ترامب يولي قدرًا كبيرًا من الاهتمام بهوية رئيس الوزراء المقبل، وإن كان سيلتزم بالتعاون معه على قبول وتنفيذ خطته للسلام في الشرق الأوسط".

فثمة تقارير صحفية نقلت عن مصادر سياسية في تل أبيب تحفظهم وانتقاداتهم للصفقة قبل معرفة مضمونها، وتتريث الإدارة الأمريكية في نشر مضمون صفقتها، حيث تحاول أن تتأكد من أن نشرها سيكون مفيدًا قبل تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة أم بعد تشكيلها، وبغض النظر عن هوية رئيس ووزراء الحكومة الإسرائيلية القادمة، فإن محاولة التوصل إلى تفاهمات مع الجانب الفلسطيني لن تكون على مجدية، فالإدارة الأمريكية الحالية تقف في صف إسرائيل على حساب الفلسطينين، والمجتمع الدولي يغض الطرف عن التجاوزات الإسرائيلية. كما أن الشروط التي وضعها في الماضي رئيس السلطة الفلسطينية "ياسر عرفات" ويضعها اليوم "محمود عباس أبومازن"، فيما يتعلق بقضية اللاجئين والعودة إلى حدود 67، غير مقبولة للأحزاب الرئيسية والمسيطرة حاليًا على الكنيست، وبالتالي فإن المفاوضات بين الجانبين "الفلسطيني والإسرائيلي" ستظل متوقفة.

يبدو أن الرغبة التي أبداها "أبومازن" في استبدال "نتنياهو"، حتى لو تولى "غانتس" أو غيره رئاسة الحكومة، لا يمكن أن تحدث تغييرًا كبيرًا في سياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينين، ولن تتغير الرؤية الإسرائيلية صوب الصراع المستمر، خاصة في ظل المحاولة المستميتة من الإسرائيليين لطمس الهوية والتاريخ الفلسطيني بالكامل.