"المتظاهرون هنا يختلفون عن أي مكان آخر في لبنان"

هكذا وصف المراسل لأحد الفضائيات المظاهرات في مدينة طرابلس، ردا على سؤال للمذيع: هل تراجع عدد المتظاهرين اليوم، كما حدث في بعض المناطق اللبنانية نتيجة هطول المطر بكثافة؟

وأردف المراسل: المتظاهرون هنا أكثر من مائة ألف شخص، وليس هذا مبالغة في تقدير المراسل، ولكنها حقيقة يلاحظها بسهولة كل من يتابع هذه المظاهرات في تلك المدينة حتى أضحى يطلق عليها في وسائل الاعلام المختلفة عروس الثورة اللبنانية.

وسبب هذه التسمية يرجع بالدرجة الأولى، أن الذي يتأمل في مشهد المظاهرات التي تطالب بتغيير الوضع في لبنان من خلال الفضائيات، يلاحظ أن المظاهرات قد اندلعت في كثير من مدن لبنان، ولكن تظل طرابلس هي الأكثر حدة والأكبر عددا في الخروج المطالب بتحسين الأوضاع المعيشية، وفي حين قلت الأعداد التي خرجت تطالب بالتغيير بمرور الوقت، لكن وحدها طرابلس التي ظلت وفية لثورتها، ويظل أهلا مصرون على الخروج بأعداد هائلة، حتى أنهم قد أرسلوا إلى بيروت وفودا بالأتوبيسات إليها، عندما لاحظوا قلة أعداد المتظاهرين هناك.

ولكن لماذا هذا الإصرار من جانب أهل طرابلس على الخروج والتمسك بحراكهم أو ثورتهم؟

من خلال تتبع هتاف أهل طرابلس، وما يقوله الناس هناك في حواراتهم مع الفضائيات المختلفة، يتبين لنا أن لهؤلاء مظلومية كبرى خرجوا للتعبير عنها، هذه المظلومية تنبع من ظلم يتعرض له أهل السنة في لبنان، وبالطبع تشهد عاصمة السنة طرابلس قمة هذه المظلومية. 

ويتجلى الظلم لأهل السنة بأبشع صوره حتى في هذه الأحداث، وما تعرض له أهالي ضاحية البداوي في طرابلس، عندما أطلق الجيش النار على المتظاهرين الذين قاموا بقطع الطريق بينما انسحب الجيش في بقية مناطق لبنان عندما قام اللبنانيين من غير السنة بنفس العمل المماثل.  

ولا أحد يتصور أن طرابلس الفيحاء، مدينة العلم والعلماء التي تعتبر ثاني أكبر مدينة في لبنان، عاصمة الشمال، وعاصمة التجارة الإقليمية للقرون الماضية، أنها اليوم هي الأكثر فقراَ في لبنان وفي منطقة المتوسط.

لقد شهدت تلك المدينة اشتباكات عنيفة وصراعات على مدى السنوات الأربعين الماضية، وتواجه تحديات إنمائية واقتصادية وأمنية كبيرة، وساهمت تداعيات الأزمة السورية وتدفق اللاجئين في زيادة التوترات الاجتماعية.

روي أحد الشباب في طرابلس لقناة سكاي نيوز، أن أحوال الأهالي في المدينة يغلب عليها الفقر كما لا يوجد أشغال للشباب (فرص العمل)، بحسب تعبير ذلك الشاب.

ولا شك أن وضع المدينة الاقتصادي سيء جدا حيث يتسم بالجمود، ويحمل أهل طرابلس على القيادات السياسية في المدينة عدم الالتفات الي مشاكلهم ومطالبهم، وما حدث في سوريا قد زاد من الاوضاع الاقتصادية سوء.

وتقول قناة سكاي نيوز انه بحسب تقارير دولية تعد طرابلس البلد الأفقر في حوض البحر المتوسط، وتذكر هذه التقارير أن أكثر من نصف سكانها يعيشون تحت خط الفقر ومن وقت انتهاء الحرب الاهلية تعيش المدينة على وعود بالإنماء ولكن دون جدوى.

ولكن بعض المحللين يقولون إن الاوضاع في لبنان كلها سيئة، وهذا يرجع الي المغامرات العسكرية الخارجية لحزب الله، التي يرى الكثيرون من أهل طرابلس أن هذه الأحداث هي فرصة للتخلص من هيمنة هذا الحزب على الحكم، والتي ترهن لبنان لصالح المحور الطائفي في المنطقة والذي تقوده إيران.

ولكن وضع أهل السنة يختلف عن وضع باقي طوائف لبنان، والمعاناة التي يعيشونها موجودة بدرجات متفاوتة في بقية حواضر اهل السنة سواء في بيروت أو صيدا، ولكن تظل وتتجلى تلك المعاناة بالذات في طرابلس معقل السنة.

فبالإضافة إلى المعاناة الاقتصادية والظروف المعيشية، تبرز معاناة أهل السنة في لبنان في العائلات التي كان لها السبق في تقلد الزعامة السياسية التقليدية لهم في لبنان، مثل عائلات الحريري وكرامي والصفدي وسعد وميقاتي.

وهناك أيضا محاولات تفتيت التيارات الإسلامية من أهل السنة في طرابلس بالذات وتشويه صورتهم إعلاميا، بين شخصيات أو دعاة أو جمعيات جري اختراقها ايرانيا أو سوريا أو مخابراتيا (المخابرات اللبنانية التابعة للجيش يسيطر عليها موارنة موالون لحزب الله) أو حتى استغلالها من قبل بعض القوى السياسية اللبنانية السنية.

وقد جرى إعلاميا وصم الإسلاميين في مدينة طرابلس بالإرهاب، وجرى تسويق هذه الفرية من جانب الشيعة وبعض الموارنة بغرض تحجيم هذه الطائفة ومنعها من تحصيل حقوقها المشروعة.

ولكن مما لا شك فيه فإن التيار الإسلامي في طرابلس، مثله مثل التيارات الإسلامية في العالم الإسلامي يعاني من حالة التشرذم والفردية والاختراق.

وأكثر التيارات التي ألصق بها تهمة الإرهاب هو التيار السلفي.

ففي طرابلس تاريخيا جرى تشكل تيار السلفيين على يد الشيخ سالم الشهال عام 1946 في هيئة جماعة سماها شباب محمد وربما من اسمها وتاريخ تأسيسها يبدو أنها كانت متأثرة بجماعة شباب محمد المصرية بزعامة الشيخ حافظ سلامة والتي انفصلت عن جماعة الاخوان المسلمين في أوائل الأربعينات ثم تمددت هذه الجماعة من طرابلس إلى باقي مناطق شمال لبنان في عكار والمنية والضنية بعد أن غيرت اسمها إلى (الجماعة- مسلمون).

مع تقدم الشهال الأب في السن وانصرافه إلى العمل الدعوي، آلت زعامة الحركة السلفية إلى نجله داعي الإسلام ، وكان نشر العلم ودروسه في المساجد هي وسيلة الجماعة في الانتشار ولكن بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975 أنشأت تلك الجماعة السلفية بعدها بأشهر ذراعا عسكريا تحت مسمى الجيش الإسلامي الذي أخذ دوره في الانتشار في منتصف الثمانينات مع اشتداد حدة الحرب الأهلية واتجاه بعض التيارات العسكرية اللبنانية إلى اخضاع طرابلس للتوجهات السورية بزعامة حافظ الأسد وهنا تسلحت طرابلس وكان الجيش الإسلامي أحد قواها العسكرية، وما لبث أن انهزم الجيش في معارك طرابلس وحل نفسه.

ولكن يبقى التيار السلفي بعيدا عن التأثير في السياسة اللبنانية، وفي لقاء له مع قناة الميادين، يقول الداعية السلفي اللبناني الشيخ صفوان الزعبي حول السلفية في لبنان، أنه رغم انتماء آلاف اللبنانيين إلى الفكر السلفي، فإنهم لا يمثلون قوة كافية لإحداث تغيير سياسي، أو تشكيل خطر ما، في حين أنّهم يمتلكون ظهيرًا إعلاميًا قويَا، يضخم من شأنهم وأعدادهم.

كما لفت الزعبي إلى أن هناك تسليطا إعلاميا وتضخيما لوضعهم الحالي، من أجل استخدامهم في مشاريع سياسية فيما بعد، قد تضر بالسلفيين أنفسهم.

وهذا ما جرى في محاولات تهمة الصاق السلفية الجهادية بسلفيي لبنان، والتي تفرعت منها القاعدة وبعدها داعش، حتى أضحت طرابلس يطلق عليها قندهار لبنان في محاولة لإلصاق الفكر السلفي المخترق مخابراتيا بهذه المدينة الصامدة قلعة أهل السنة في لبنان.

وقد حاول النظام السوري بزعامة بشار الأسد اشغال طرابلس المدينة السنية الصامدة والتي كانت ظهيرا للثوار في سوريا وأكبر داعم لهم ضد نظامه فحاول اشغالهم بالحروب الداخلية وسلط مجموعة من العلويين يقطنون جبل محسن في أحد ضواحي طرابلس، على التحرش بالسنة وخاصة الحي الملاصق للجبل، وهو حي باب التبانة فاندلعت في طرابلس أحد وعشرين جولة اشتباك في جبل محسن وباب التبانة.

وفي الختام يقول الصحفي اللبناني رين بريدي: لم أرَ يوماً عيون أهل طرابلس كما هي في هذه الانتفاضة، لم أرَ يوماً ابتسامتهم عريضة إلى هذا الحدّ وهم يفترشون السّاحات على الرّغم من تعبهم، هي المرّة الأولى الّتي يلتفت فيها الإعلام الى طرابلس الّتي فرضت نفسها أمرا واقعا عليه، لتحتلّ الأخبار الأولى لأوّل مرّة بعيداً عن اسقاط "الارهاب" صفة ملازمة لهذه المدينة.