في نهاية مارس الماضي، أعلن وزير الدفاع الأمريكي باتريك شاناهان من داخل مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، ضرورة تركيز بلاده على إنشاء أسلحة وأنظمة دفاعية تفوق سرعة الصوت، واعترف بتخلف الولايات المتحدة في سباق التسلح بهذا المجال بشكل خطير وغير مسبوق، خلف روسيا والصين.

حيث تمكن الروس والصينيون مؤخراً من تحقيق اختراقات نوعية في مجال الصناعات الصاروخية، وخصوصاً تلك التي تتجاوز سرعة الصوت، تمكنهم من امتلاك قدرات مدمرة، ليس فقط للأساطيل والقواعد الأمريكية في العالم، وإنما في الولايات المتحدة نفسها. ما يجعل الأمريكان أشد قلقاً والتخوف الأكثر من ذلك هو أن الأمريكان لا يتوقعون تطوير أسلحة دفاعية مضادة تُدمّر أو تُحيّد الصواريخ الروسية والصينية؛ إلا بعد نحو ست سنوات.

فقد طور الروس مؤخراً صاروخ أفانجارد، وهو يستطيع حمل رؤوس نووية، والتحليق بسرعة تصل إلى 27 ضعف سرعة الصوت أكثر من تسعة كيلومترات في الثانية، بحيث يكاد يكون من المستحيل اعتراضه، ويزيد مداه عن 11 ألف كيلومتر؛ كما يستطيع تغيير مساره وارتفاعه في أثناء طيرانه، بطريقة غير منتظمة يستحيل معها كشف موقعه ويتوقع أن يدخل الخدمة في سنة 2020.

كما طوروا صاروخ تسيركون الذي يُطلَق من السُفن، وتصل سرعته من ستة إلى ثمانية أضعاف سرعة الصوت (122 - 163) كم في الدقيقة ويمكنه ضرب أهداف برية وبحرية، وتمت تجربته بنجاح في كانون الأول/ ديسمبر 2018. ويمكن أن يدخل في الخدمة سنة 2022.

 وطوروا أيضاً صاروخ كنزال (الخنجر)، الذي جربوه بنجاح في تموز/ يوليو 2018، ويصل مداه إلى نحو 1,930 كيلومتراً وفق تقرير نشرته خدمة أبحاث الكونجرس في 17 أيلول/ سبتمبر 2019.

أما الصينيون، فقد حققوا قفزة هائلة، بعد أن طوروا صاروخ دونج فينج 41 (ريح الشرق)، وهو صاروخ عابر للقارات يستطيع حمل عشرة رؤوس نووية. ويستطيع حمل شراك خادعة أو أجهزة يمكنها تضليل الصواريخ الدفاعية المعترضة، ليتم استهدافها بدلاً من الصاروخ نفسه، ويستطيع هذا الصاروخ التحليق بسرعة تصل إلى 25 ضعف سرعة الصوت (510 كيلومتراً في الدقيقة) ويصل مداه من (12 - 15) ألف كم، ويستطيع قطع المحيط الهادئ (المسافة بين الصين وأمريكا) في ثلاثين دقيقة.

 إلى جانب هذا الصاروخ، طور الصينيون صاروخ دونج فينج 17، الذي يمكنه التحليق على ارتفاع منخفض، بخمسة أضعاف سرعة الصوت؛ وبطريقة يصعب جداً على أجهزة الإنذار الأمريكية كشفه أو اعتراضه، وهناك أيضاً صاروخ دونج فينج 26، وهو صاروخ باليستي بمدى متوسط يصل إلى (ثلاثة – أربعة) آلاف كم.

ومن المتوقع، أن يزداد التقارب بين البلدين في مجال الدفاع والأمن، وهذا يشكل مشكلة للولايات المتحدة لأن موسكو وبكين تستطيعان توحيد موقفيهما بشأن قضايا تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة كما يمكن أن يؤدي التعاون العسكري بين البلدين إلى إضعاف هيمنتها في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، نتيجة تحسن قدرات الجيش الصيني.

وعليه تحاول الولايات المتحدة جاهدة وهي تسارع الخطى لإنقاذ كبريائها العسكري والاستمرار في تفردها بالعالم، عبر الوصول إلى نفس معدل الجودة الروسية بنهاية هذا العام، في الأسلحة التي تفوق سرعة الصوت، ولا تستسلم للواقع الذي يؤكد أن المهمة أصبحت مستحيلة بعدما أقر البنتاغون في اعتراف نادر للجيش الأمريكي باتساع الفارق بين البلدين بشكل كبير بسبب نقص الكوادر والكفاءات وأنظمة الإدارة والموارد.

وبحسب تقرير لمكتب التدقيق الأمريكي تتعرض الولايات المتحدة حاليًّا لخطورة فقدان ميزتها التكنولوجية في صنع أنواع أخرى من الأسلحة، إذ لا تملك حتى الآن القدرة على مقاومة أسلحة تفوق سرعة الصوت التي تقوم بتطويرها روسيا والصين، ووفقًا للتقرير، فقد تم إدراج الإمكانات فائقة الصوت لموسكو وبكين، في قائمة أهم التهديدات للأمن القومي الأمريكي خلال السنوات الخمس القادمة، وفق المعلومات المقدمة من وزارة الدفاع ووزارة الخارجية ووزارة الأمن الداخلي الأمريكي.

مما يزيد الصعوبة على الأمريكان قدرةُ الصينيين والروس على إنتاج هذه الأسلحة بكميات كبيرة، وبتكاليف أقل، وبتكنولوجيا متقدمة جداً، بينما يحتاج الأمريكان في المدى القريب على الأقل وقتاً أطول، وتكاليف مضاعفة، للتعامل المكافئ مع هكذا تنافس، بمعنى أن الصينيين والروس ركزوا على تعويض الفارق الهائل في النفقات العسكرية مع الأمريكان، من خلال إنتاج أسلحة نوعية غير مكلفة، تلغي التفوق الأمريكي، وتردم الفجوة معه.

لن تقبل الولايات المتحدة الأمريكية بتغيير المعادلة لصالح دولة غيرها لتكون القوة العظمى الأولى في المنطقة، سواء عسكريا أو اقتصاديا وفرض معدلات جديدة وفتح المجال لبروز قوى عظمى جديدة، وإنشاء حلف روسي– صيني عسكري، وتعتبر ذلك تهديدا وجوديا لها ولكيانها وهيبتها، الأمر الذي يدفعها لتحييد كلا من روسيا والصين في الوقت الراهن عن طريق إقامة تحالفات معهم، أو اللجوء لفرض عقوبات على كليهما كتلك التي فرضتها واشنطن على الصين في سبتمبر من العام 2018 بسبب شرائها أسلحة من روسيا، خاصة أن الأمور تطورت للمنافسة في مجال التسلح العسكري واختلال موازين القوى لصالحهما فهل يمكن القول بأن المعادلة ستتغير لنظام عالمي ثنائي القطبية يحكمه قوتين عظمتين جديدتين وانحسار الدور الأمريكي كقوة عظمى وحيدة في العالم؟