في كل مرة عندما تندلع المظاهرات العراقية، يسارع التيار الصدري الموالي لمقتدى الصدر أحد زعماء الشيعة في العراق بتأييدها، بل بانتقاد الأجهزة الأمنية التي تقمع هذه المظاهرات، ووصل الأمر أن ممثلي هذا التيار في مجلس النواب، قد شرعوا في تنظيم اعتصام لهؤلاء النواب داخل أبنية المجلس تعاطفا ومساندة لمطالب المتظاهرين.

فما حقيقة هذا التعاطف الذي يبديه التيار الصدري الشيعي في العراق؟

هل هو تعاطف حقيقي مع مطالب العراقيين في حقهم بمعيشة كريمة تتناسب مع موارد هذا البلد العربي العريق؟

أم هو ركب للموجة والقفز فوق أكتاف المتظاهرين ومحاولة توجيه هذه الاحتجاجات التي وصلت إلى مرحلة الثورة في اتجاه تصب في مصلحة جهة ما خارجية أو داخلية؟

لمعرفة الإجابة على هذه الأسئلة يجب تتبع أصول التيار الصدري ونشأته وتوجهاته.

الصدر ونشأة التيار:

برز اسم مقتدى الصدر على الساحة العراقية عقب احتلال أمريكا للعراق عام 2003م

والده كان من أبرز رجال دين الشيعة في العراق المتمردين على نظام الحكم البعثي، حيث اعتبروه نظاما يمثل السنة، وفي أعقاب مقتل والده الذي قيل أن صدام قد أمر بقتله تحول ابنه مقتدى إلى زعيم لتيار عريض من الشيعة وهرب إلى إيران ودرس في حوزاتها العلمية، وفي أعقاب الاحتلال الأمريكي دخل مقتدى الصدر بغداد وأسس ما يعرف بالتيار الصدري في أفقر مناطق بغداد التي أطلق عليها مدينة الصدر، واستغل حاجة الناس وتردي أحوال المعيشة في العراق بعد الاحتلال الأمريكي، ليقيم مؤسسات وشبكات اجتماعية واسعة تجذب الفقراء والمهمشين، ومع مرور الوقت تجلى هذا التيار في محورين : محور عسكري ومحور سياسي.

أخذ الهيكل الصدري العسكري عدة مسميات بدء من جيش المهدي الذي أعلن الصدر تشكيله بعد دخول القوات الأميركية إلى بغداد عام 2003 بثلاثة أشهر تقريبا، وقال الصدر إن أعضاءه سيكونون جزءا من الجيش المستقبلي لـ"الإمام المهدي" الإمام الثاني عشر للشيعة، الغائب بحسب زعمهم. وخلال الأعوام 2005-2009 شهدت البلاد عمليات تصفية طائفية محمومة.

كانت نقاط التفتيش الذي أقامها هذا التيار ومنتسبيه تقتل العراقيين على الهوية، في البداية كان نقص الحظ والأسماء التي تشير إلى الانتماء الطائفي كافيين للقتل. بعدها انقسمت الأحياء في العاصمة بغداد مثلا إلى أحياء للشيعة وأخرى للسنة، ولا ينتقل بينهما سوى المغامرين الطائشين... ويقول أكاديمي عراقي وطالب سابق في الحوزة وأحد تلاميذ ما يطلق عليه "آية الله" محمد صادق الصدر والد مقتدى، إن "جيش المهدي كان منذ بداية تأسيسه مركز تجمع للميليشيات المسلحة الشيعية، حتى تلك التي ينتمي عناصرها إلى مرجعيات فكرية مختلفة مع الصدر، بل وأحيانا معادية له".

ويؤكد هذا الكلام في ظهور أربع شخصيات إلى جانب مقتدى الصدر في خطبة الإعلان عن تأسيس جيش المهدي، فكان على يمينه قيس الخزعلي، الذي انشق بعد ذلك على الصدر بأوامر إيران وأسس ميليشيا عصائب أهل الحق القريبة، وكان على يساره جلال الشحماني عضو البرلمان الحالي عن ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي، والذي تثار بشأنه أسئلة عن اشتراكه في قيادة ما يعرف بالمجاميع المسلحة الشيعية الخاصة.

وكان من بين الشخصيات أيضا أكرم الكعبي، قائد ميليشيا النجباء الشيعية التي تقاتل في سورية بأوامر إيرانية، ومحمد الطباطبائي نائب أمين سر العصائب، وقد كانا أيضا ضمن الحلقة الضيقة التي تحيط بمقتدى الصدر.

ولكن يبدو أن الصدر كان يسير في اتجاه لا يتوافق مع التطلعات الإيرانية في العراق، إما أنه يستعجل الخطوات بالتمكين الايراني في العراق، أو أنه لا يعجبه مثله مثل قسم كبير من شيعة العراق النفوذ الإيراني في العراق، والأرجح أنه العامل الأخير.

كذلك شك الاحتلال الأمريكي للعراق، أن هناك تعاونا قد ينشأ في المستقبل بين المقاومة السنية وبين جيش المهدي، كل تلك العوامل أدت في عام 2008 إلى أن تشن القوات العراقية مدعومة بقوات التحالف عملية سميت بـ"صولة الفرسان" في الجزء الجنوبي من العراق وخصوصا في البصرة. واستهدفت العملية ميليشيا جيش المهدي في الأساس، بالإضافة إلى ميليشيات أخرى كانت تدير عمليات الابتزاز والاختطاف وتهريب السلاح والمخدرات في البصرة.

ويرجح أنه جرى تنسيقا إيرانيا أمريكيا لتصفية جيش مقتدى الصدر وانهاء وجوده العسكري.

والملاحظ أن رد فعل مقتدى الصدر كان عجيبا وغريبا، فقد أعلن مقتدى وقتها تجميد عمل ميليشياته، ورفضه أن تشارك في عمليات مسلحة ضد الجيش العراقي، مما أدى إلى انقسام كبير في صفوف ميليشياته، وذهب إلى إيران معتكفا على طلب العلم كما يدعي ويزعم.

ولكن في عام 2014 قام مقتدى الصدر بتأسيس تشكيله المسلح الثاني، وكان ذلك في أعقاب سقوط الموصل ومحافظات ومدن اخرى في العراق تحت سيطرة تنظيم داعش، وأعلن مقتدى أن دور هذه الميليشيات سيقتصر على الدفاع عن المقدسات الشيعية، ودعا مقتدى حينذاك المتطوعين في صفوف سرايا السلام إلى تنظيم استعراض عسكري في جميع المحافظات، حيث ظهر آلاف من المتطوعين ضمن صفوف سرايا السلام في مختلف المحافظات وهم يستعرضون برفقة أسلحة ثقيلة ومتوسطة وخفيفة تتقدمهم صواريخ وراجمات ومدافع، وانخرطت سرايا السلام في القتال ضد داعش في سامراء بعد أسابيع قليلة، أعقبه دخولها في مناطق جرف الصخر وامرلي والاسحاقي وديالى.

أما التجليات السياسية لمقتدى الصدر فقد جاءت في أعقاب إعلانه ترشح تياره في الانتخابات البرلمانية العراقية، حيث على ما يبدو سعت إيران وأمريكا والساسة العراقيون الموالون لهما إلى إقناعه بالتعبير عن نفسه من خلال الانتخابات، بديلا عن ميليشياته العسكرية.

بداية أنشأ الصدر ما يعرف بالتيار الصدري، ثم تحول لاحقا إلى كتلة سياسية أطلقت على نفسها تيار الأحرار، وفازت بعدد من المقاعد في مجلس النواب العراقي ويرأسها النائب ضياء الأسدي منذ عام 2011، ثم برز بعد ذلك حزب الاستقامة الذي دخل في تحالف انتخابي عام 2018 مع الحزب الشيوعي العراقي تحت مسمى تحالف سائرون، وتصدر نتائج الانتخابات العامة التي أجريت في مايو 2018 بحصوله على 54 مقعدا.

ويبقى السؤال الأبرز ما علاقة إيران بالتيار الصدري سواء جناحه العسكري أو السياسي؟

هناك حقيقة مؤكدة، وهي أن الارهاصات الأولى لنشأة جيش المهدي لم تكن مع سقوط بغداد في يد الأمريكان وتنحية صدام عام 2003، بل بدأت منذ أيام محمد الصادق الصدر والد مقتدى، ويؤكد على هذه الحقيقة أبو سجاد الاسم الحركي لأحد أبرز قياديي جيش المهدي في مدينة الصدر شرق بغداد في حديث لوكالة الأنباء الفرنسية عام 2008، حيث ذكر هذا القائد أن ما زعم أنه الإمام محمد صادق الصدر والد مقتدى هو الذي أنشأ هذا الجيش الطائفي في النجف في أواخر التسعينات، قبل أن ينتقل إلى ضاحية بغداد المكتظة بالشيعة الوافدين من الجنوب.

ولهذا السبب ربما اغتاله صدام حسين، الذي نجح في تفكيك هذه الميليشيا، فتأسيس هذه الميليشيا الشيعية العسكرية كانت سابقة لتمدد النفوذ الإيراني في أعقاب الاحتلال، ومن المعروف أن الصادق الصدر والد مقتدى هو رجل دين كان يرفض مرجعية قم وما يصدر عنها ويعتبر أن مرجعية النجف هي الأساس، وهذا يعزز فرضية أن مقتدى الصدر أميل إلى الاستقلالية عن إيران، بل يمكن أن يناهض دورها سرا في العراق خاصة ان كثير من المتظاهرين الشيعة الذين ينددون بإيران الآن على علاقة وثيقة بالتيار الصدري.

إن المواجهات التي تحدث هذه الأيام بين المتظاهرين وبين القوات الأمنية العراقية، خاصة وهي تتركز في المحافظات الشيعية ويندد المتظاهرون بإيران ويطالبون بإخراجها من العراق، وهذا يبشر بتحالف سني عراقي يتغلب على التعصب الشيعي الطائفي، ويعود العراق موحدا في مواجهة المشاريع الإيرانية بالهيمنة، وينذر بنهاية الوجود الأمريكي، ويعود بالعراق إن شاء الله مرة أخرى كغصة في حلق أعداء الأمة.