مشاهد ضبابيية لاتزال تربك الساسة والمواطنين على السواء في الكيان الصهيوني. وتعنت وتوترات داخلية لاتزال تضع بصمتها على كافة المحادثات والاجتماعات. بدأت القصة عندما فشل بنيامين نتنياهو في تشكيل ائتلاف الأغلبية في البرلمان رغم فوزه هو وحزبه «الليكود» في انتخابات الكنيست التي أجريت في أبريل الماضي.

لم يكن هناك حينئذ سوى حلين: الأول، أن يُمنح بيني غانتس زعيم تحالف «أزرق وأبيض»، الفرصة كي يشكل الحكومة، والحل الثاني، هو أن يصوت الكنيست على حل نفسه وهو ما انحاز إليه نتنياهو رغبة في فرصة جديدة وخوفًا من إنفاذ الحل الأول.

فأعيدت الانتخابات مرة ثانية في 17سبتمبر الماضي، وأفرزت النتائج النهائية تفوق بيني غانتس رئيس تحالف أزرق- أبيض، على رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو بمقعد واحد، بحصوله على 33 مقعداً مقابل 32 لنتنياهو. لكن نتنياهو خرج بفارق ضئيل عن غانتس عندما طلب الرئيس الإسرائيلي ريفلين من جميع البرلمانيين تأييد مرشح واحد وهو ما صب في مصلحة نتنياهو.  

تكليف جديد لنتنياهو بتشكيل الحكومة

في تطور مفاجئ بعد ظهور نتائج الانتخابات، اختار الرئيس الإسرائيلي روفلين ريفلين، نتنياهو في يوم الأربعاء الموافق 25سبتمبر وحمّله مهمة تشكيل الائتلاف. فكانت تلك هي المرة الثانية التي يُمنح فيها بينيامين نتنياهو الفرصة لتشكيل حكومة في غضون خمسة أشهر فقط.

وقد تكهنت وسائل الإعلام المحلية بأن ريفلين ربما اختار نتنياهو وكلفه بتشكيل الحكومة كوسيلة لدفع الطرفين للتوصل إلى اتفاق. فقد كان بإمكان الرئيس الانتظار لمدة أسبوع لاتخاذ قرار، لكن إعلانه اضفى نوعًا من الضغط على نتنياهو إما بأن يسرع في عقد صفقات سياسية في موعد نهائي محدد أو المخاطرة بفقدان السيطرة على السلطة.

بيد أن ذلك القرار مثّل قبلة الحياة لمستقبل نتنياهو السياسي في وقت يواجه فيه محاكمات لتورطه في قضايا فساد.

إذ قدم فريق الدفاع لموظفي النيابة العامة حجج وأدلة جديدة في تلك القضايا، فكان يوم1أكتوبر أول جلسات الاستماع لنتنياهو والتي استمرت أربعة أيام متتالية. ولايزال من المتوقع أن يتم البت في تلك القضايا بصورة نهائية في نهاية العام الجاري.

ولعل المخاوف التي سيطرت على نتنياهو من أن يفشل في تشكيل الحكومة، هي ما دفعته للدعوة مرة أخرى إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية واسعة في اليوم التالي لتكليف ريفلين له يوم الخميس الموافق 26 سبتمبر. وذلك رغبة في تفادي إجراء جولة ثالثة من الانتخابات في أقل من عام.

ومن تاريخ التكليف، فإن نتنياهو كان أمامه 28 يومًا لتجميع أغلبية 61 مقعدًا على الأقل في البرلمان. لذا سعى نتنياهو في أعقاب الانتخابات لعقد اجتماعات مع زعماء تحالف اليمين القومي المتدين وحزب التوراة المتحد المتدين وحزب شاس. خرج منها بتوقيع اتفاق معهم للدخول في مفاوضات الائتلاف ككتلة واحدة قوامها 55 فردًا بقيادة زعيم الليكود، لكنه كان بحاجة إلى ستة أصوات على الأقل كي يتمكن من تشكيل ائتلاف الأغلبية وكي لا يتكرر السيناريو السابق مرة ثانية.

الأمر الذي لم ينجح فيه نتنياهو، وهو ما دفعه للإعلان عن فشله في تشكيل الحكومة يوم الاثنين الموافق 21أكتوبر الماضي. ولعل السبب وراء ذلك الفشل هو رفض تحالف أزرق-أبيض الانضمام إلى ائتلاف برئاسة نتنياهو بسبب اتهامات الفساد المعلقة ضده.

وفي اليوم التالي، أعلن الرئيس الإسرائيلي ريفلين عن تكليفه لغانتس زعيم تحالف أبيض وأزرق لتشكيل الحكومة، داعيًا الأحزاب لتقديم تنازلات من أجل مصلحة الكيان الصهيوني.

سيناريوهات المشهد السياسي

قد ينجح غانتس في تشكيل الحكومة إذا ما استمال نتنياهو وحاول ألا يخسره باعتباره زعيم كتلة اليمين التي لا يستهان بها. بيد أن طبيعة المشهد السياسي في الوقت الحالي شديدة التعقيد، وهو ما يجعل من فرصة نجاح بيني غانتس في تشكيل الحكومة خلال 28 يومًا ضئيلة جدًا. ولهذا السبب يسيطر على الأوساط الصهيونية تخوفات كبيرة من أن يستمر التعنت بين جميع الأطراف السياسية بشكل ينتهي بفشل غانتس في تشكيل الحكومة

ولعل أبرز التحديات الواقفة أمام غانتس هي، أنه إذا ما وضع يده في يد الأحزاب العربية فسيكون هناك احتمال بأن يظهر أمام المجتمع الصهيوني أنه شخص غير مسؤول وأنه بذلك يعرض الكيان الصهيوني للخطر. التحدي الآخر يتمثل في احتمالية أن يضغط نتنياهو على كتلته اليمينية كي لا تدعم غانتس في تشكيل الحكومة، ومن ثم لا يمكنه بدونها من تحقيق الأغلبية التي من خلالها سيشكل الحكومة.

كما أن حزب إسرائيل بيتنا بزعامة ليبرمان، قد لا يقبل التعاون مع غانتس ويصر على موقفه المطالب بتكوين حكومة وحدة وطنية مع الليكود.

في تلك الحالة، قد يتم الدفع بمشروع قرار في الكنيسيت للتصويت على حل نفسه كما حدث من قبل. حتى يصبح الكيان الصهيوني على موعد مع انتخابات ثالثة في أقل من عام واحد.

ووفقًا للاستطلاع الذي خرج به موقع «والا» العبري، فإنه إذا جرت انتخابات ثالثة، سيحصل حزب الليكود على 33 مقعدًا وحزب أزرق وأبيض على 33 مقعدًا، وستحصل القائمة العربية المشتركة على 13 مقعدًا. حينها لن يكون إعادة الانتخابات مجديًا، بل على العكس سيدخل الكيان الصهيوني في دوامات لا تنتهي.[1]

في الختام، يعيش الكيان الصهيوني أزمة جديدة من نوعها، لم يسبق أن شهدتها منذ قيام عام 1948. وفي كل الحالات، إذا تعرقلت جهود غانتس في تشكيل الحكومة فقد لا يكون أمام الرئيس ريفلين سوى خيار واحد وهو تفويض أحدهما لتشكيل الحكومة أو أن يتم الدفع نحو حل الكنيسيت نفسه ومن ثم يكون الكيان الصهيوني على مشارف انتخابات ثالثة


 


 [1] https://www.alghad.tv/إسرائيل-هل-تتجه-إلى-انتخابات-برلمانية/