"كلهم يعني كلهم.. نصر الله واحد منهم"

بهذه العبارة، ارتجت لبنان كلها اليوم، ساحة رياض الصلح في بيروت، في طرابلس، في عكار، في قونية، في الجنوب، في صيدا في صور وغيرها، حيث تتعدد معاقل الشيعة، أكثر من مليون لبناني في تقدير كثير من الوكالات الاخبارية، يصرخون وتصدح بها أفواه الشعب اللبناني، ويهتفون مسلمون ومسيحيون وشيعة، أن الساعة قد حانت لتسقط تلك المنظومة الفاسدة، القائمة على الصفقات والمحاصصة الطائفية والسياسية والوظيفية.

فالفاسد والطائفي والذي خرب الدولة اللبنانية، ليس فقط هذا المسئول، أو ذاك القيادي، ولكن كل من شارك في تردي الأوضاع، وتدهور الامور الاقتصادية والحياتية، وعلى رأسها القوة العسكرية الكبري، والتي رهنت القرار السياسي اللبناني لصالح ايران، التي سارع  وكيلها في لبنان حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله في خطاب له، وبعنجهية وغروره المعتاد، بتهديد المتظاهرين بالإجراءات الأمنية، وبالتظاهرات المضادة من الشيعة التابعين له، وانه ليس هناك تغيير في الحكومة، ولا في النظام الذي هندسه الحزب ليكون خاضعا لأوامره ونفوذه، وطال تهديده المسئولين والجماهير على سواء، فقد هدد الحريري، بأنه لا يستطيع الاستقالة بل هدده بالمحاكمة، وهدد المتظاهرين بعظائم الامور كما أسلفنا، ولعله يهددهم بمصير السوريين، الذين ثاروا على حليف الحزب هناك، بشار الاسد فتدخل الحزب، وذبح أهل السنة في ذلك البلد المنكوب.

وقال نصر الله بالحرف “حركتنا مش بسيطة، إذا مننزل على الشارع هيدا مش قرار بسيط، يعني البلد كله بيروح لمسار مختلف، إن شاء الله ما ييجي وقته، وإذا اجا وقته ستجدونا جميعًا في الشارع في كل المناطق وسنغير كل المعادلات”

وقد بدأت بوادر ذلك، عندما اعتدى مسلحون ينتمون لحركة امل الشيعية، على المتظاهرين في النبطية في الجنوب اللبناني، في حين أحرق متظاهرون ليردوا على ذلك، حديقة تملكها زوجة نبيه بري رئيس مجلس النواب المؤيد من قبل حزب الله.  

ولكن لماذا انفعل نصر الله بهذا الشكل، في هذا الخطاب الذي قاله هذا اليوم؟

 لأول مرة يشعر نصر الله بأنه يواجه معارضة شعبية، لا تنبع من حادثة لأحد رموز النظام، مثل أيام اغتيال الحريري، والتي خرج الناس يعبرون عن سخطهم، ولكن الآن يعاني اللبنانيون كلهم من جميع الطوائف من تردي أحوال معيشتهم بأبسط مقومات الحياة من كهرباء ومياه نظيفة ومن ارتفاع أسعار المحروقات.

ولا شك أن خطاب نصر الله الجمعة، قد استفز كثير من اللبنانيين، حتى من الشيعة الذي هو جمهور الحزب وخاصة في الجنوب، وطالبوا لأول مرة بنزول الجيش لحفظ الأمن بدلا من عناصر أمل وحزب الله.

ويبقى السؤال ماذا سيفعل حزب الله ازاء هذه المظاهرات المليونية، والتي تأبى أن تنفض إلا بعد أن تتحقق مطالبها، وهو اعادة تشكيل الدولة اللبنانية، بعيدا عن المحاصصة الطائفية، وبعيدا عن تسلط حزب الله؟

حاول الحزب في البداية، أن يدس بعض بلطجيته والمأجورين داخل المظاهرات مساء الجمعة، لتبدأ عملية احراق وتكسير ولكن وعي المتظاهرين أفشل اللعبة.

ولا يستبعد أن يكرر تلك المحاولة في اليوم التالي، لكي يتم تبرير القمع العسكري للمتظاهرين، وفض هذه المظاهرات.

الخطوة الثانية التي يحتمل أن يتجه إليها حزب الله، وأشار إليها نصر الله في خطابه يوم الجمعة، هو تفعيل تحالفاته وعملائه داخل الطوائف اللبنانية.

ولكن قبل ما فعله الحزب او استراتيجياته، يجب أولا التدقيق في نشأته، وهل هو مستقلا أم تابعا؟ وتكمن أهمية هذه الفكرة، في البحث عن إستراتيجيات الحزب، وهل هو جزء من أجندة خارجية، أم له أجندة مستقلة حريص على تنفيذها؟

جاء في البيان التأسيسي لحزب الله، والذي جاء بعنوان من نحن وما هي هويتنا؟ جاء الجواب بالقول: إننا أبناء أمة حزب الله، التي نصر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة، تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط. وهذا يعني أن حزب الله هو امتداد عقائدي وحركي وسياسي للثورة الأم في قم وطهران، على الرغم من الشعارات والتكتيكات والمواقف لمعالجة الشأن المحلي على الساحتين اللبنانية والعربية بين الحين والآخر. وقد أكد هذا المعنى حسن نصر الله بقوله: إن المرجعية الدينية هناك في إيران، تشكل الغطاء الديني والشرعي لكفاحنا المسلح. وتجسيدا لهذا التوجه العقائدي والتزاما بمضمونه، صرح إبراهيم الأمين وهو من القياديين المؤسسين للحزب عام 1987 لجريدة النهار: نحن لا نقول إننا جزء من إيران، نحن إيران في لبنان ولبنان في إيران. وهو بذلك يمهد عقائديا وسياسيا، لما نطق به الرئيس الإيراني الأسبق احمدي نجاد بموقفه الاستراتيجي في عام 2007 (إن إيران ولبنان جسد واحد) ضاربا عرض الحائط، صيغة العيش المشترك والتنوع العقائدي والسياسي للبناني العربي الهوى والجذور والانتماء. وهو بذلك ومن طهران، يؤكد مقولة الشيخ حسن طراد المقرب من حزب الله: إن إيران ولبنان شعب واحد في بلد واحد. وكما قال أحد العلماء الأعلام في إيران: إننا سندعم لبنان، كما ندعم مقاطعاتنا الإيرانية سياسيا وعسكريا.

إذن حزب الله ما هو إلا جزء من إستراتيجية إيرانية، تبغي التوسع والتمدد ومن آلياتها، إيجاد موطئ قدم لها في الدول المجاورة، تكون بمثابة طابور خامس شيعي، وورقة تفاوضية تؤثر بها إيران على مجمل القوى الإقليمية والدولية في طريق صعودها، وصعود إمبراطوريتها.

ولذلك فإن الحزب عندما يتم رسم إستراتيجيته في الحركة، فإن الهدف الأسمى من تلك الإستراتيجية لن يخرج عن أن يكون ورقة بيد إيرانية في النهاية.

ويتحرك الحزب على الساحة اللبنانية والإقليمية والدولية بعدة إستراتيجيات:

الأولى / وضع اليد على القرار داخل الطائفة الشيعية، وذلك بتحجيم وتصفية كل شخصية أو قوة مناوئة وهذا ما حدث مع حركة أمل، حيث انزوت الحركة ولم يعد لها البريق الماضي، ولولا شخصية نبيه بري المتلونة والمتمرسة في السياسة، لانزوت الحركة منذ أمد بعيد، كما عمل الحزب على إضعاف نفوذ العائلات الشيعية التقليدية في لبنان، والتي اشتركت في حكم لبنان طوال العقود الماضية، مثل عائلة الأسعد وعسيران وغيرها.

الثانية / إضعاف الطوائف الأخرى، وذلك بمحاولة شقها وإيجاد طابور خامس داخل كل طائفة أو مجموعة سياسية، ويتجلى ذلك بصورة مفضوحة في الطائفة السنية، ويؤكد على ذلك ما ذكرته صحيفة السياسة الكويتية، نقلا عن مصادر شديدة الخصوصية، إن سورية وإيران وحزب الله يعملون على تفتيت الشارع السني في لبنان، وتحويله إلى داعم لمخططاتهم وبرامجهم، وفي هذا الإطار خصص الإيرانيون مبلغ ثلاثين مليون دولار، لدفعها لمسئولين كبار ورجال دين سنة في لبنان بشكل عام، وفي مدينة طرابلس بشكل خاص، من اجل شراء دعم هؤلاء لحزب الله ولمخططاته.

كذلك امتد يد حزب الله إلى الطائفة المارونية فعملت على انشقاق الجنرال ميشيل عون وأيضا ما فعله بالدروز حيث كرس انشقاق طلال أرسلان ووئام وهاب.

الثالثة / جعل قوات حزب الله هي الأقوى على الساحة اللبنانية عبر إجهاض أي محاولة من طائفة أو قوة سياسية بإنشاء ميليشيات لها وفي نفس الوقت العمل على استمرار تدفق الدعم التسليحي الإيراني والآتي عبر سوريا مع التزود بأسلحة حديثة لها قدرات تدميرية كبيرة كالصواريخ وفي نفس الوقت إضعاف القوتين العسكريتين في الساحة اللبنانية والتابعة للدولة وهي الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وذلك بكثرة الاحتكاكات بينها وافتعال المشاجرات واغتيال قيادات والأفراد المؤثرين داخل هذه المؤسسات.

أمام اللبنانيين الآن فرصة ضخمة لتحجيم الحزب ونفوذه داخل لبنان، بزيادة حشودهم وعدم انصرافهم إلى البيوت، قبل انهاء دور هذا الحزب ووصايته على القرار السياسي في لبنان.