أعلنت الأكاديمية الملكية في السويد مؤخرًا عن تتويج الكاتب المسرحي والشاعر النمساوي "بيتر هاندكه" بجائزة نوبل للآداب لهذا العام 2019، وبحسب بيان الأكاديمية فقد جاء التكريم "تقديرًا للعمل المؤثر الذي اكتشف براعة لغوية لمحيط وخصوصية التجربة الإنسانية"، لكن ثمة صورة أخرى خطرت في الأذهان بمجرد إعلان هذا الفوز، إنها العلاقة بين هاندكه والرئيس الصربي "سلوبودان ميلوسيفيتش"، وتأييده للمجازر التي حدثت بحق المسلمين.

وُلِدَ "بيتر هاندكه" في السادس من ديسمبر، من العام 1942م، لأسرة ألمانية سيلوفينية، بدأ حياته الأدبية ككاتب جريء ومستفز ومثير للجدل، حتى سنوات التسعينيات كان أديبًا غير سياسي إلى حد كبير، وهو ما يعكسه العنوان الساخر لأحد أعماله "أنا ساكن البرج العاجي"، لكن مع قدوم سنوات التسعينات ألقى هاندكه بنفسه في خضم بحر السياسة، معارضًا تدخل الناتو في حرب البلقان، ومساندًا الصرب، وفي عام 1994 أصدر هاندكه كتاباً بعنوان "العام الذي قضيته في خليج اللا أحد"، وفيه هاجم الناتو مجددًا، معتبرًا الصرب ضحايا حرب البلقان الحقيقيين، ثم سافر إلى بلغراد حيث قُلِد وسامًا قوميًا من الصرب، فخلال حرب يوغوسلافيا في التسعينيات، دعم هاندكه الصرب بشدة، حيث أنكر المذابح التي تمت خلال الحرب، فقد كان هاندكه قريب جدًا من الزعيم الصربي السابق "سلوبودان ميلوسيفيتش"، ونفى ذات مرة المذبحة الصربية في سريبرينيتسا، وقارن مصير صربيا بمصير اليهود خلال الهولوكوست، رغم أنه اعتذر في وقت لاحق عما وصفه بـ "زلة اللسان".

في عام 1996؛ كتب هاندكه مقالة عن رحلة إلى صربيا لصحيفة "سودديتشي تسايتونج" الألمانية، حيث شكك في تصوير وسائل الإعلام للصرب على أنه المعتدي في النزاعات التي اندلعت بعد انهيار الدولة اليوغوسلافية، فكتب: "في محاولة لإيصال الحرب إلى عملائها، تصور المجلات الدولية، بداية من مجلة التايم وصولا إلى مرصد نوفيل، الصرب على أنهم الأشرار والمسلمون على أنهم الأخيار كالعادة"، وقد نُشر هذا المقال بعد عام من مذبحة في بلدة "بوسنيكا سريبرينيتسا" بعد أن اجتاحت القوات الصربية المقاطعة الإسلامية، وقتلت الآلاف من الرجال والصبيان واغتصبت النساء.

وعندما قصف حلفاء الناتو صربيا في وقت لاحق، قام هاندكه مرة أخرى بالدفاع عن الصرب، ففي عام 1999؛ عندما ظهر على شاشة التلفزيون الصربي، اقترح أنه قد يكون "راهبًا صربيًا أرثوذكسيا يقاتل من أجل كوسوفو"، وقارن محنة الصرب بما اعتبره "اضطهاد اليهود"، وبعد وفاة ميلوسوفيتش في زنزانته في لاهاي في عام 2006 أثناء محاكمته بتهمة ارتكاب جرائم حرب، نعاه هاندكه في جنازته في صربيا أمام حشد كبير، ذكر هاندكه ذات يوم بأنه لو كان في منصب ميلوسيفيتش، فإنه كان سيتصرف بنفس الطريقة، جمع هاندكه سلسلة من مقالاته في كتاب بعنوان "العدالة لصربيا"، امتلأت بالدفاع عن مجرمى الحرب من الصرب، رغم أن كل المذابح التى راح ضحيتها ثلاثمائة ألف إنسان موثقة بالصوت والصورة عالميًا، عندما واجهت هاندكه عاصفة من الانتقادات بسبب آرائه ومواقفه السياسية، أعلن انشقاقه عن الكنيسة الكاثوليكية لموقفها المعادي للصرب، وأعاد في عام 1999م جائزة بوشنر، وهى أعلى الأوسمة الأدبية في المنطقة الألمانية ، احتجاجًا على موقف الغرب، وألمانيا تحديدًا، من الصرب.

ومع إعلان فوز هاندكه بجائزة نوبل في الأدب لعام 2019، بدأت موجة كبيرة من الجدل في الأوساط الأدبية والسياسية، فقد اعتبره الكثيرون أمرًا غير أخلاقي وغير قابل للتبرير، وزير خارجية ألبانيا "جنت كاكاج" كتب على تويتر، قائلًا: "إن الجائزة كانت مخزية وتم منحها لمنكر للإبادة الجماعية"، كما كتب رئيس الوزراء الألباني "إدي راما": "لم أفكر أبدًا في أنني سأشعر بالتقيؤ بسبب جائزة نوبل"، بينما قال رئيس كوسوفو "هاشم ثاتشي": "قرار جائزة نوبل جلب ألمًا هائلًا إلى عدد لا يحصى من الضحايا"، أما وزير خارجية كوسوفو السابق "بيتريت سليمي"، فقد علق على هذا القرار، قائلا: "مرحباً جائزة نوبل، هل تعلمون أن هاندكه كان يدعم الحصار على سراييفو، وشرب الخمر مع الجنود الذين يقتلون الأطفال من خلال عمليات القنص، ألم يقل أن المسلمين يقتلون أنفسهم؟، هذا مقزز، هذا هو القرار الأكثر هجومية، ماذا بعد؟، جائزة السلام للأسد؟".

وبعيدًا عن السياسيين، فقد انتقد العديد من الشعراء والمؤلفين قرار فوز هاندكه بالجائزة، كما أطلقت عريضة في ألبانيا تستنكر هذا القرار، وحتى هذه الأثناء تم توقيعها من قبل أكثر من 30 ألف شخص، الكاتب الأمريكى الشهير "بيتر ماس" كتب معلقًا على فوز هاندكه بنوبل: "إن الروائى النمساوى ينكر جرائم الصرب وإبادة المسلمين الموثقة لدى الجميع، وإن آخر ما يحتاجه العالم الآن أن يتوج بشرف الجائزة كاتب مريض بأكثر الأمراض الفكرية تخلفًا فى عصرنا"، مؤكدًا أن هناك الكثيرين من الأدباء الحائزين على نوبل جاهلون فى السياسة، لكن ذلك لا يحرمهم حق نيل الجائزة، لكننا فى حالة النمساوى "بيتر هاندكه" نواجه شيئًا آخر، وهو إنكار وقوع الإبادة وتحويل القتلة إلى أبطال والضحايا إلى مجرمين.

وبعيدًا عن موجة الانتقاد الوجدل الواسعة، فقد اندهش هاندكه نفسه من الفوز، وقال عقب فوزه بالجائزة إن هذا القرار "شجاع جدًا من قبل الأكاديمية السويدية"، وهذا يفتح الباب للتساؤل: هل من المهم أن يكون الأدب مستقلاَ عن السياسة؟، وهل يمكن منح جائزة نوبل بغض النظر عن الأخلاق أو الأيديولوجيا التي يحملها كل مبدع؟، ألم يكن "عزرا باوند" من أعظم شعراء القرن الماضى، لكنه لم يفز بالجائزة، بسبب فاشيته؟، ألم يضفي "هاندكه" مصداقية  وشرعنة مجانية للقتل الجماعى؟، ألم يكن "ألفريد نوبل" يريد منح جائزته إلى العمل المتميز الذى يسعى إلى النهوض المثالى؟

ويبدو أن الأكاديمية السويدية التي تحاول التعافي واستعادة الثقة بعد عام من التوقف عن منح جائزة الآداب، على إثر فضيحة التحرش الجنسي التي طالت بعد أعضاء لجنة تحكيمها، لم تستطع أن تفعل ذلك بالشكل المطلوب، فقبل أيام أعلن رئيس اللجنة نية اللجنة لتصحيح المسار وتعديل بعض الأخطاء كالتحيز للرجال والروايات الأوروبية، لكن هذا التصحيح لم يتحقق، فاختيار هاندكه، ذو الآراء السياسية مثيرة للجدل، زاد من الشكوك حول محاولات اللجنة للتصحيح واستعادة الثقة، فمهما كانت مزايا "بيتر هاندكه" الأدبية، فإن أخلاقياته كفيلة باستبعاده من الجائزة، وليس نيلها.