أزمة الهجمات التي استهدفت مجمع (بقيق) النفطي شرق المملكة العربية السعودية ظهرت على أنها تحول نوعي في طبيعة الصراع المتواصل بين السعودية وإيران منذ عقود، ولا شك أن أغلب وسائل الإعلام العربية والدولية كانت تترقب موقفاً أمريكياً صارماً رداً على هذا الهجوم الذي بغض النظر عن الإحصائيات والأرقام والتحليلات التي ظهرت على هامشه فإنه استهدف أحد أهم مصادر صناعة الطاقة في العالم وتأثيراته سيتكون وخيمة على الاقتصاد العالمي كونه وقع ضمن دائرة مضيق هرمز التي تعد أبرز ممرات الملاحة الدولية. بالإضافة إلى الدور الأمني الذي تلعبه الولايات المتحدة بصفتها شرطي المنطقة وتمتلك مقراً للأسطول الأمريكي الخامس في البحرين وقاعدة العديد الجوية في قطر وقواعد أخرى في العراق وغيرها من دول الجوار ولا غرابة أن يعرف القارئ أن تلك القواعد لاتبتعد عن المنطقة المستهدفة في هجوم بقيق سوى عشرات الكيلومترات.

المملكة العربية السعودية ثقل سني كبير ومورد لأهم الأنشطة العلمية الشرعية والدينية عبر علمائها ودعمها السخي لمراكز العلم الشرعي على مستوى العالم بالإضافة إلى الاعمال الخيرية التي تقوم بها في بلدان العالم الإسلامي، كذلك موقعها المهم المشرف على بحر العرب وخليج عدن وهي ممرات ملاحة مهمة جداً للتجارة العالمية وأسواق الطاقة، ولا يخفى على أحد ايضاً أن المملكة تقوم بدور عظيم لكل مسلم من خلال الإشراف على خدمة الحرمين الشرفين في مكة والمدينة وهذا الأمر يمنحها تأثيراً وقوة دينية لم تحصل عليها دولة في العالم. أما بخصوص الشق الاقتصادي فهي تمتلك قوة هائلة عبر استحواذها على أكبر شركات النفط العالمية وهي شركة "آرامكو" التي تتولى إدارة احتياطي نفطي يبلغ 265 مليار برميل (15 بالمئة من الاحتياطي العالمي)، واحتياطي من الغاز يبلغ 288 تريليون قدم مكعب.

المواجهة بين المملكة العربية السعودية وإيران ليست وليدة اللحظة بل هي مسار تم تضخيمه على مدار العقود الماضية تحت أنظار الولايات المتحدة الأمريكية، فعقب إحتلال أفغانستان عام 2001 سلمت واشنطن الدولة الأفغانية لحكومة حامد كرزاي الموالية لطهران وكذلك فعلت في العراق عام 2003 حيث أصبح العراق رهينة لحكم مليشيات شيعية يشرف عليها بصورة مباشرة زعيم فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، بل أصبح بين تلك المليشيات والإدارة الامريكية شراكات أمنية واقتصادية انعكست على واقع العراق الفوضوي والذي أصبح مهدد لا يقل خطورة عن تهديد الحوثيين على الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية.

وفي الملف اليمني وعقب إنهيار حكم الرئيس علي عبد الله صالح وانقلاب جماعة الحوثي على دولة الرئيس عبد ربه منصور هادي وقفت الولايات المتحدة عبر ممثلي الأمم المتحدة حجر عثرة أمام عمليات الحسم العسكري في صنعاء والحديدة لمنح الجماعة الإنقلابية المزيد من الشرعية السياسية لإشراكها في حكم اليمن وتقرير مصيره.

لا تسعى إيران لخوض مواجهة شاملة في الشرق الأوسط لكنها تكثف من أنشطتها الإستخبارية في إطار مشروعها السياسي وهو تشييع المنطقة وإخضاعها لنفوذها وما ساعدها في ذلك ضعف الدولة القومية العربية والدور الأوروبي والأمريكي الذي يوفر حاضنة للمشروع الإيراني بالإضافة إلى الفيتو الصيني الروسي المشترك الداعم للمشروع الإيراني نظراً لضخامة العلاقات الاقتصادية بين إيران وموسكو وبكين، فعقب انطلاق الثورة السورية وقرب حسم المعركة مع بشار الأسد أحد أركان النظام الإيراني في المنطقة عام 2014 توقف الدعم الخليجي بصورة مفاجئة لتلك الثورة استجابة لضغوط أمريكية وتدخلت عقب ذلك روسيا لحماية حليفها الأسد استجابة لطلب إيراني. معركة سوريا أظهرت ضعف إيران على المستوى العسكري فهي استعانت بالروس ودفعت ثمناً مالياً باهظاً لحماية مشروعها في سوريا لكن ذلك لم يكن انعكاسه على سوريا فقط بل حتى العراق فقد منحت المليشيات الشيعية مثل الحشد الشعبي الصفة الرسمية وخصص لها موازنة من الدولة العراقية أمام حالة فشل في المواجهة للجانب الخليجي بسبب المشروع الأمريكي في المنطقة الذي فضل المشروع الكردي المعادي لتركيا في سوريا على مشروع ثورة وحاضنة سنية تدفع خطر إيران.

وفي اليمن تكررت نفس الأزمة، وبعد أن تخطينا هذه المرحلة يجب هنا الانتباه إلى أن خطورة المشروع الأمريكي الذي نادت فيه مستشارة الأمن القومي الأمريكي، كونداليزا رايس، سابقاً بعنوان "الفوضى الخلاقة" لصنع شرق أوسط جديد أحد أركانه المشروع الإيراني الذي يستهدف المملكة العربية السعودية اليوم. لذلك يجب أن ينظر للصراع بين المملكة العربية السعودية على أنه صراع على الهوية ولا يتعلق بالتجاذبات السياسية فقط بل يستهدف السعودية باعتبارها أهم محاضن أهل السنة والجماعة بقوتها البشرية وثقلها الاقتصادي وأماكنها المقدسة لذلك يجب أن تتغلب الحكمة على الفوضى والتركيز على حلول وأدوات تردع إيران وتحفظ للمملكة أمنها ولا تستدرج المنطقة إلى حرب شاملة تحصد الأخضر واليابس، مثل الضغط على حلفاء إيران في مجلس الأمن عبر القوة الاقتصادية للمملكة وتعزيز العمل الاستخباري الذي يستهدف إيران بالتعاون مع المعارضة الإيرانية والأقليات الاثنية في إيران وكذلك تعزيز وحدة الصف العربي والإسلامي في هذه المعركة والتركيز على إخراج إيران من الملفات العربية وإحلال بدائل محلها، وحسم ملف اليمن باتجاه إقتلاع الحوثي من صنعاء عبر توحيد صف الحلفاء في اليمن وفضح إيران على مستوى الإعلام الغربي وإظهار الهوية الدينية والقومية لمشروعها الذي لا يستهدف المملكة وحدها بل يستهدف العرب والمسلمين أجمعين.