منذ أعلن نيته خوض الانتخابات العامة في سبتمبر المقبل، وقد صعد نجمه في وسائل الإعلام  مرة أخرى، كأحد أبرز المنافسين لرئيس الوزراء الصهيوني الحالي "بنيامين نتنياهو"، إنه الجنرال "إيهود باراك"، رئيس حكومة الاحتلال الأسبق، الذي يعود مجددًا إلى مضمار الحياة السياسية، بصفته رئيس حزب سياسي جديد.

انضم إيهود باراك لجيش الاحتلال الإسرائيلي في عام 1959م، وخدم فيه لفترة 35 عام، استطاع خلالها أن يترقى حتى وصل إلى أعلى رتبة فيه (عميد)، وقام الجيش الاحتلال بتكريمه بميدالية "الخدمة المميزة"، ذاعت شهرته بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها وحدة الكوماندوز التي كان يرأسها والتي تدعى "سيريت ماتكال"، والتي كانت ضالعة في اغتيال خليل الوزير "أبو جهاد" من قادة منظمة التحرير الفلسطينية في تونس، إضافة إلى بعض القادة الفلسطينيين الآخرين في لبنان، حينما تنكر عام 1973م في زيّ امرأة وتسلل إلى بيروت مع مجموعة من وحدته الخاصة، واغتالوا ثلاثة من قادة منظمة التحرير الفلسطينية هم كمال ناصر ويوسف النجار وكمال عدوان، لكن أشهر عملياتها كانت المساهمة في تحرير الأسرى الصهاينة الذين اختطفوا على متن إحدى الطائرات في مطار عنتيبي بأوغندا عام 1976م، حيث لمع اسمه وزادت أسهمه داخل صفوف جيش الاحتلال، لكن "يهود بروج"، أو كما يحب استعمال اسمه العبري "باراك" الذي يعني البرق، لم يدخل إلى حلبة السياسية إلا في العام 1992م، عندما تم إختياره كوزير للداخلية في حكومة إسحق رابين، ثم تولى عدة حقائب وزارية مثل وزارة الزراعة، والسياحة، والخارجية، إلى أن جاءت انتخابات 1999م حيث فاز حزب العمل بالأغلبية فتمكن باراك من الفوز بمنصب رئيس حكومة الاحتلال مع احتفاظه بمنصب وزير الدفاع، وما لبث أن سقط بعد عامين، في انتخابات استثنائية أمام غريمه "آرئيل شارون"، وذلك عقب انهيار قمة كامب ديفيد التي اتهم الفلسطينيين فيها، وصدرت عنه مقولة "لا يوجد شريك فلسطيني".

ورغم تعدد الجرائم التي ارتكبها، لكن لا يُنْسَى لباراك ما فعله ذات يوم حينما تعامل بعنف مفرط مع الفلسطينين الرافضين لزيارة زعيم حزب الليكود حينها " أرييل شارون" للمسجد الأقصى في سبتمبر 2000 تحت حراسة ما يزيد على ثلاثة آلاف جندي صهيوني، وهو ما أدى إلى اندلاع انتفاضة الأقصى، التي أعطى باراك أوامره بإخمادها، مما أدى إلى استشهاد حوالي 400 فلسطيني. وبالرغم من أن باراك يحمل أكبر عدد من الأوسمة العسكرية في تاريخ جيش الاحتلال الإسرائيلي، وأنه يعتبر أهم شخصية عسكرية إسرائيلية علي قيد الحياة ألان، لكن حظوظه في السياسة كانت تعيسة دائما، فقد فشل في كل المناصب السياسية التي تولاها، حتى جاء العام 2013م، حيث ترك باراك السياسة واعتزلها، بعد أن شغل منصب وزير دفاع في حكومة نتنياهو، ونشبت خصومة كبيرة بينهما، لكن في ظل الأزمة السياسية التي تواجهها إسرائيل حاليًا، بعد فشل رئيس الوزراء الحالي "بنيامين نتنياهو"، في تشكيل حكومة ائتلافية في مايو الماضي، وقرار الذهاب إلى انتخابات عامة مبكرة، يعود إيهود باراك مجددًا إلى حلبة السياسة، كرئيس لحزب جديد، تحت اسم "إسرائيل ديمقراطية".

يؤمن باراك بالتوجهات الفكرية لحزب العمل الذي كان ينتمي إليه، والذي هو بدوره لا يختلف كثيرًا في منطلقاته الأساسية عن غريمه التقليدي حزب الليكود اليميني، والتي تدعو إلى الفصل الأحادي الجانب بين إسرائيل والمناطق الفلسطينية عن طريق رسم حدود الكتل الاستيطانية التي ستبقى تحت سيادة الاحتلال الإسرائيلي، وإقامة منطقة أمنية واسعة على الحدود مع المملكة الأردنية، لكن بالرغم من ذلك لم يستطع باراك أن يعود لمعترك السياسة من خلال حزب العمل، فرفاقه في هذا الحزب ينظرون إليه دائما على أنه قد "خائن"، عندما انشق عنهم، وساهم بذلك في ضرب وتحطيم الحزب الذي أسس الحركة الصهيونية، وقادها لأكثر من 70 سنة، لكنه انهار في الانتخابات الأخيرة ولم يحصل سوى على 6 مقاعد فقط.

لا يآبه باراك بكون بيته من زجاج؛ فيصوب هجماته القاسية نحو خصمه اللدود "بنيامين نتنياهو" باستمرار، متهمًا إياه وزوجته وابنه بالفساد وإساءة استغلال السلطة، لكن في إطار الصراع الانتخابي المحموم، وجد باراك نفسه على كرسي الاتهام، بعد الكشف عن جوانب مظلمة جديدة في مسيرته، فثمة تسريبات تتحدث عن تلقيه أموالًا كثيرة من جمعيات خاصة ومن مصادر مشبوهة في السنوات الأخيرة، هذا بخلاف فضيحة جديدة أثارتها إحدى الصحف البريطانية، التي نشرت صورة له متخفيًا أمام بيت الثري اليهودي الأمريكي "جيفري إفشطاين" في نيويورك، وهو متهم بجرائم فساد وفضائح جنسية عديدة، وجرى اعتقاله على خلفية ذلك قبل أيام في الولايات المتحدة. لكن باراك ليس بجديد على تهم الفساد، فقد سبق وأن تم اتهامه في قضية فساد تتعلق بمؤسسة "عموتوت" الخيرية، ودعم حزب "العمل" الذي كان يقوده، قبل أن يتم إغلاق القضية عام 2000م.

يُمنِّي باراك نفسه بأن تُعاد الأيام التي استطاع فيها أن يفوز ـ رغم قلة خبرته السياسية ـ على سياسي مخضرم مثل شمعون بيريز في رئاسة حزب العمل عام 1997م، أو أن يحظى برئاسة الوزراء  مثلما فاز على بنيامين نتنياهو بنسبة 56% في مايو 1999م، تتكاثر الأمنيات، لكن معها يتكاثر الحديث عن تهم وقضايا الفساد التي تلاحقه، سواء جديدها أو قديمها، فهل سينجح إيهود باراك في الظفر بالمنصب، خاصة وأن كل المنافسين تشوبهم تهم مشابهة، في هذا المستنقع الملئ بالفساد؟!