احتجاجات حاشدة تشهدها أنحاء مختلفة من دولة الاحتلال الإسرائيلي منذ بداية يوليو الجاري، نظمها آلاف اليهود من أصل إثيوبي وأنصارهم، بعد أن قتل شرطي بالرصاص شابًا إسرائيليًا من أصل إثيوبي. الاحتجاجات التي تتطور مثل كرة اللهب المتحرجة أعادت التذكير بتاريخ عنصرية الكيان الإسرائيلي سواء ضد المسلميين أو المسيحيين، وحتى ضد اليهود أنفسهم من أصول آخرى، وخاصة ذوي الأصول الإثيوبية، الذين يطلق عليهم يهود الفلاشا، وطريقة تعامل الكيان الصهيوني معهم منذ القدم.

من هم الفلاشا ؟

"الفلاشا" هم اليهود الذين هاجروا من إثيوبيا إلى إسرائيل، وقد تم نقلهم سرًا بأعداد كبيرة في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، ويطلق عليهم أيضا جماعة "بيتا إسرائيل"، وبالرغم من المطالب المتعددة للوكالة اليهودية عام 1949م، بضرورة الاسراع في استقدام يهود إثيوبيا إلى الكيان الصهيوني الوليد، إلا أن الحكومة الإسرائيلية في ذلك الحين كانت تعارض هذا المطلب بشدة، بزعم أن اليهود الأفارقة المهاجرين يحملون أمراضًا وراثية معدية.

وقد رفض معظم رؤساء وزراء إسرائيل، وعلى رأسهم "ديفيد بن غوريون" و"موشيه شاريت" و"ليفي إشكول" و"غولدا مائير"، هجرة يهود الفلاشا الجماعية إلى إسرائيل، بل ووصل الأمرأحيانا إلى إبعاد من وصلوا إلى إسرائيل بالفعل خلال تلك الأعوام، بحجة أنهم لا ينطبق عليهم "قانون العودة" أو لأنهم "نصارى"، بالرغم من تعدد الروايات الإسرائيلية نفسها حول جذور اليهود الإثيوبيين، والتي تؤكد بعضها أن أصولهم ترجع إلى النبي سليمان وملكة سبأ بلقيس.

في عام 1973م، اعترف الحاخام الأكبر السابق لليهود الشرقيين (السفارديم) في اسرائيل، "يوسف عوفاديا"، بيهودية الفلاشا وبإعلانهم قبيلة من سلالة سبط "دان"، وفي عام 1975م قام رئيس الوزراء الإسرائيلي "إسحاق رابين" بتطبيق "قانون العودة" عليهم لأول مرة، فبدأت الهجرة الجماعية في الفترة بين عامي 1979 و1990، وقد وصل 16 ألف يهودي إثيوبي إلى إسرائيل، في أكبر مجموعة عمليات سرية لهجرة اليهود إلى إسرائيل.

عنصرية الكيان العنصري

بالرغم من زيادة عدد يهود الفلاشا في دولة الاحتلال الإسرائيلي، حيث تشير بعض التقديرات إلى أن عددهم قد صار أكثر من 144 ألفًا، إلا أنهم لا يتمتعون بنفس حقوق التعليم والوظائف في المجتمع الإسرائيلي، الذي يعاني بالأساس من مشكلات انقسام عرقي وديني حادة. فيهود الفلاشا، إلى جانب اليهود الشرقيين عموما، لطالما احتجوا ضد التمييز العنصري الذي يتعرضون له في دولة الاحتلال، ومن أبرز حوادث العنصرية بحق الفلاشا؛ نجد أنه في مايو عام 2015 قام شرطيان بضرب جندي إسرائيلي من أصل إثيوبي وقد سُجْلَت الحادثة بالفيديو وانتشرت على نطاق واسع على مواقع السوشيال ميديا، وكذلك إلقاء أحد المراكز الطبية الإسرائيلية بدم تبرعت به نائبة من أصل إثيوبي في الكنيست في القمامة، وأيضا قيام الشرطة بقتل شاب إسرائيلي من أصل إثيوبي، كان يعاني مرضا عقليا، وقد تم قتله بإطلاق النار عليه مباشرةً، وغيرها من الحوادث الأخرى.

الفلاشا الأوائل كانوا في غالبيتهم من الفقراء والأميين، وقد وصل معظمهم بحقيبة ملابسه فقط، ودون أدنى معرفة باللغة العبرية، محاولين الاندماج في المجتمع الجديد، كانوا أيضا يفتقدون المهارات الأساسية في الأعمال والمهن المختلفة، لذا فإن نسبة البطالة بينهم كانت في وقتٍ سابق حوالي 80%، لكن هذه النسبة لم تتغير كثيرًا بمرور الوقت، ففي عام 2005م، بلغ معدل البطالة بينهم حوالي 65%، كما بقيت نسبة كبيرة من الفلاشا تعيش في تجمعات بمناطق معزولة وهامشية عن باقي اليهود الأشكناز (اليهود تعود أصولهم إلى أوروبا الوسطى والشرقية)، بل وحتى عن السفارديم (اليهود الشرقيين والقادمين من دول العالم الثالث)، كما أن هذه المناطق لا تتمتع بنفس الخدمات التي تتمتع بها المدن الإسرائيلية التي يقطنها اليهود البيض، هذا بخلاف انخفاض متوسط دخل الفرد منهم مقارنة بباقي يهود إسرائيل بنسبة تتراوح بين 30 إلى 40%.

وبالرغم من برامج الاندماج التي أطلقتها حكومات الاحتلال المتعاقبة، إلا أن الإسرائيليين البيض لا يزالون ينظرون إلى اليهود الإثيوبيين نظرة فوقية، ويمثل لون البشرة أحد أهم أسبابها، ورغم أن الكيان الصهيوني يقدم نفسه للعالم على أنه مثال لإتباع قيم الديقراطية والتعددية والمساواة، إلا أن التمييز العنصري الممنهج ضد اليهود الإثيوبيين وحرمانهم من حقوقهم الشرعية، أمور لا تخطئها عين، كما أن الشرطة تتعامل معهم بالعنف التعسفي وتستخدم القوة المفرطة ضدهم، ويرى اليهود الأثيوبيين أن العنصرية والتمييز بحقهم يعيقان تطور مجتمعهم ككل، ويبقيانهم ـ عن قصد ـ عند مستوى اجتماعي واقتصادي منخفض ومعزول عن المجتمع الإسرائيلي.

هذا التمييز ليس غريباً، فتعاليم "الهالاخاه" التي تدعو إليها الشريعة اليهودية الحالية وتعاليمها، والتي تعني التمييز بين اليهودي وغير اليهودي في كل مجالات الحياة، من الوارد جداً أن قد تطورت مع الوقت وانقلبت كالسحر على ساحره، فبات اليهودي يتصيد ببني جلدته وديانته، وهو الأمر الذي يتجلى في أخطر صوره من خلال استخفاف اليهود الأشكناز بحياة غيرهم من اليهود المختلفين عنهم داخل دولة الاحتلال الإسرائيلي.

احتجاجات ومظاهرات

في 10 يناير من العام 2012م، اقتحم نحو 3 آلاف إسرائيلي من أصل إثيوبي مقر الكنيست، احتجاجا على العنصرية التي تُمارس ضدهم، بعد الكشف عن رفض تجمعات لليهود البيض في جنوب إسرائيل بيع أو تأجير بيوت لليهود الإثيوبيين، كان المحتجون يرفعون شعارات "دمنا الأحمر يصلح فقط للحروب"، و"وجوهنا سود ولكن قلوبنا بيضاء، وأنتم وجوهكم بيض ولكن قلوبكم سوداء"، في تلك الأثناء خرجت وزيرة الاستيعاب حينها "صوفا لاندفار"، الروسية الأصل، لتنتقد المتظاهرين قائلة: "يجب على الإثيوبيين أن يشكروا دولة إسرائيل لأنها جلبتهم إلى هنا"، فهذه العبارة القصيرة تلخص النظرة العامة التي ينظر بها المجتمع الإسرائيلي لأقلية الفلاشا.

وقبل أيام قليلة قام شرطي إسرائيلي بقتل شاب من أصول إثيوبية، وهو ما أعاد تفجير الاحتجاجات مرة أخرى، صحيح أن الحادث لا يعد الأول، فغالبا ما تشهد المدن الإسرائيلية احتجاجات واسعة من اليهود الأثيوبيين ضد التمييز والعنصرية، يتبعها إغلاق للطرقات وإضرام النار في المتاجر فضلا عن شن هجمات على الشرطة، والتهديد بالانتحار في حال عدم تلبية طلباتهم.

يتعجب اليهود الإثيوبيين من أنهم يتعرضون للاضطهاد على غرار الأمريكيين من أصول إفريقية، رغم أن أسلافهم لم يكونوا أبدًا عبيدًا لدى ذوي البشرة البيضاء، بل قدموا إلى إسرائيل طبقا لقانون العودة، مثلما وصل اليهود من أي بلدان أخرى، فياليتهم يدركون أنهم يعيشون في كيان مغتصب يتغذى على العنصرية بشكل عام، سواء كانت تجاه سكان الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلتين، أو عرب 48، أو حتى حاملي الجنسية الإسرائيلية من اليهود الشرقيين أو الأفارقة، عنصرية تمارسها النخبة الحاكمة من اليهود الأشكناز ضد كل من يختلف عنهم، ولا نظن أن عجلة الزمان لو درات للخلف، وكان اليهود الإثيوبيين هم القوة الغالبة في دولة الاحتلال لمارسوا شيئاً خلاف ما يحدث ألان، فالعنصرية مكون طبيعي وبنيوي من مكونات الاحتلال، والمحتل لا محالة يكون عنصريًا.