"لا حاجة لنا حتى أن نكون هناك"

هذا قول كتبه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تغريدة نشرها يوم الإثنين الماضي 24/6 في خضم التجاذب الحالي بين أمريكا وإيران ويضيف ترامب " للدول الأخرى التي تستورد النفط من منطقة الخليج كالصين واليابان أن عليها حماية شحنات النفط التي تشتريها من دول المنطقة ... للولايات المتحدة مصالح استراتيجية محدودة في المنطقة ... فيما يخص تهديدات إيران بإغلاق الممرات البحرية المستخدمة لنقل نسبة كبيرة من صادرات النفط من الخليج فإن الولايات المتحدة لا تبالي بذلك الأمر فالولايات المتحدة أصبحت الآن أكبر بلد منتج للنفط في العالم ولذلك فهي لم تعد بحاجة إلى نفط منطقة الشرق الأوسط ...لا حاجة لنا حتى أن نكون هناك ... لا ينبغي التعويل على القوات المسلحة الأمريكية لضمان حرية الملاحة في المياه المحاذية للسواحل الإيرانية"

هذه الكلمات القصيرة التي صرح بها ترامب يلخص بها سياسته منذ أن حل رئيسا لأمريكا في البيت الأبيض فالنظرة التي ينظر بها إلى المصلحة الأمريكية هي ماذا يدر أي قرار رئاسي يتخذه للخزينة الأمريكية وإلى أي مدى سينتفع الشعب الأمريكي ماديا بهذا القرار أو تلك السياسة.

لكن لماذا ينظر ترامب بهذه النظرة إلى السياسة الأمريكية؟

أولاً: طبيعته الشخصية ونشأته: فالرجل بدأ حياته المهنية في التطوير العقاري من خلال شركة والده التي تحمل اسم العائلة بمدينة نيويورك ودخل ترامب تجارة العقارات بعد أن اقترض مليون دولار من والده، وبعدها دخل شريكا في إدارة ثروات والده التي كانت أغلبها عقارات ومشاريع بناء في نيويورك بعدها أصبح مديرا عاما للشركة التي أطلق عليها تسمية منظمة ترامب

ثانياً:  وعوده التي قطعها للشعب الأمريكي: فقد قطع ترامب مثلا على نفسه أمام الناخبين إلغاء نظام "أوباما كير" الصحي على الرغم من اعتبار كثيرين نظام أوباما للتأمين الصحي أبرز إنجاز للرئيس الديمقراطي أوباما فلم يتردد في أكثر من مناسبة في إعلان نيته إلغاء ذلك النظام الصحي تاركا ملايين الأميركيين دون تأمين صحي لأنه سيوفر للخزانة الأمريكية ملايين الدولارات ...كذلك انسحب ترامب من اتفاقية باريس للمناخ لأنها سوف تقيد بعض النشاطات الاقتصادية المضرة بالبيئة وهذه خسارة للشركات الأمريكية

مستقبل هذه السياسة:

طبعا هذه السياسة تخالف الاستراتيجية الأمريكية التي دأبت عليها السياسة الأمريكية منذ الأربعينات حيث نظرت إلى الشرق الأوسط ليس كأكبر منطقة لإنتاج للنفط في العالم فقط ولكن أيضا إلى الممرات المائية الناقلة للنفط فمضيق هرمز مثلا يساهم في نقل نحو 85 في المئة من صادرات النفط الخام إلى الأسواق الآسيوية ويعبر من خلاله بين 30 إلى 40 في المئة من النفط المنقول بحرا على مستوى العالم كما أن اليابان مثلا أكبر مستورد للنفط عبر مضيق هرمز فما يقرب من 62% (من واردات) اليابان يمر من خلاله كذلك فإن أكثر من 91% من الواردات الصينية من النفط تمر عبر مضيق هرمز وبذلك فإنه عن طريق التحكم في هذه الممرات كأنك تقول للدول الاقتصادية الكبرى في العالم أنني (الولايات المتحدة) الذي أتحكم في اقتصادكم وأستطيع إن أردت أن أشله واجعله يتهاوى...فتتجمع خيوط القوة بيدي.

فالاستراتيجية الأمريكية تقوم كما يقول الدكتور سمير مرقص على ثلاثية القوة والثروة والدين ...فهي ليست فقط ذات هدف اقتصادي فقط ولكن أيضا ذات توجه لفرض الهيمنة على العالم ولفرض قوتها ونفوذها والتمسك بصدارة النظام الدولي فغطرسة القوة الأمريكية هي الرغبة الجامحة في فرض السطوة والاستحواذ على مقدرات وقدرات وممتلكات الآخر وإخضاعه واستعباده بأي شكل من الأشكال... فأمريكا أنشأت كيانها على أساس القوة عبر الاحتلال والسلب والمتتبع لنشأة الولايات المتحدة وأخلاق راعي البقر الأمريكي وسلوكه تجاه الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين يلاحظ أن غطرسة القوة وما يتبعها من استعراض وحرص على إذلال الآخر هي غريزة أصيلة داخل النفس الأمريكية اكتسبتها مع استباحة أراضي الآخرين والسطو على ممتلكاتهم.

وفي أواخر القرن التاسع عشر غزت حكومة الولايات المتحدة دولة المكسيك المجاورة لأن أحد أبناء هذا البلد تجرأ ولم يرفع يده ليحيي العلم الأمريكي.

وهذه القوة الغاشمة مع الروح الصليبية والجشع ناحية المال شكلت النفسية والعقلية الأمريكية.

ولذلك فإن أي توجه رئاسي أمريكي مما يدعو إليه ترامب يتمسك بالمال فقط فإنه بذلك يتجاهل مكون أساسي في العقل الجمعي الأمريكي وركيزة من ركائز أركان الدولة العميقة الأمريكية وهذه أهم أسباب التصادم الذي بدأ بين مؤسسة الرئاسة في عهد ترامب وباقي مؤسسات الدولة في امريكا منذ استلامه منصبه في نوفمبر 2016م.

ولكن الجديد أنه حتى في إصراره أنه لن يحارب إيران بسبب المال فقد اصطدم بركن كبير من أركان ادارته وهو جون بولتون الذي هو من المحافظين الجدد المولعين بفكر القوة الأمريكية المهيمنة على العالم ويعتبرها أنها مقدمة على المال والثروة التي يجعلها ترامب أساس كل شيء في تفكيره.

لذلك إذا أصر ترامب على تفكيره التجاري هذا فإنه لن يعاد انتخابه مجددا لاصطامه ليس بالفكر الديمقراطي الليبرالي التحرري ولكن بركيزة أساسية من داعميه الذين يؤيدون فكرة القوة الأمريكية المطلقة والمهيمنة.