رغم الصيحات المدوية شرقا وغربا، والتطاولات المروعة على الإسلام قولا وفعلا، وحالة السعار المتوحش على الإسلام وأهله فإن ذلك لم ولن يؤثر في الإسلام، كما أن مدح المادحين للإسلام، وما قاله العلماء الغربيون المنصفون في حقه فإنه كذلك لم ولن يغير شيئا، فالإسلام لن يتأثر بمن ذم ولا بمن مدح،؛وذلك لأن الإسلام بمنهجه وتعاليمه وخريطته الدعوية عبر الزمان والمكان قائم بذاته، ودليل ذاتيته مثبوت بالبرهان العملي، فهو الدين الوحيد الذي يدخل فيه الناس أفواجا رغم العراقيل التي توضع في طريقه والاتهامات التي تلصق به من وقت لآخر، ولو كان الإسلام يحتاج إلى تزكية أحد لاهتم بالكم العددي وأجبر غيره عند تمكنه ولكنه ترك الحرية الكاملة للإنسان فلم يجبره  على اعتناق الإسلام لتكثير سواده، بل دخل الناس قديما وحديثا فيه طواعية.

هل يحتاج الإسلام إلى تزكية وقد نشر بين جنبات الكون الامن والأمان والطمأنينة والسكينة عن طريق ربط الكون بخالقه ومدبره الحقيقي وهو الله، بدلا من الحيرة العقدية التي يعيشها من تعددت الإلهة عندهم؛ ليختار كل منهم  آلهته  حسب هواه وإن كان هو الذي يصنعه؟!

هل يحتاج الإسلام إلى تزكية  وقد سطر القرآن الكريم بداية الكون ونهايته  في صورة بديعة، ورأينا ذلك الإبداع في خلقه سبحانه، حيث النظام المتناهي في الكون  في سمائه وأرضه، ونرى هذا الإبداع في المنظومة التشريعية التي لم تفرط في شيء، تلك المنظومة التي بينت مصير كل من سار على الدرب السليم والمنهج القويم، ومصير من ضل الطريق واعوج عن المنهج المستقيم؟!

هل  يحتاج تزكية  دين   اهتم  في تشريعاته بالحيوان والجماد، وجعل الإحسان إلى الحيوان عبادة يثاب عليها؟!.

هذه المقدمة بدأت بها لأبين أننا نحن بالإسلام نكون، ومن غيره لا نكون، ولا قيمة ولا مقام ولا عز ولا نهضة ولا حضارة لنا من غيره، وهذا ما تضمنته رسالة عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- للبشرية كلها: إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.

إننا لو ظللنا نمدح ونذكر محاسن الإسلام التي لا تنتهي ونحن نصدر صورة سيئة عنه بأقوالنا وأفعالنا فهذا لا يجدي، كما أنه لا يجدي أن نظل دائما في موقف المدافع عن الإسلام ضد الاتهامات الباطلة التي يرمى بها وكأنه متهم، وكأننا نؤكد ونساعد ونسير في فلك هذه الحملة المغرضة ضد هذا الدين!

إن الذي يحتاج إلى تزكية تلك النفوس التي تعتنق هذا الدين، فهي تحتاج إلى تزكية فكرية وثقافية تفتح لنا طريقا للفهم الصحيح لرسالة السماء التي تربط بين الروح والمادة، بين الدنيا والآخرة، بين العلم والعمل، وتزكية إيمانية وأخلاقية ترقى بأرواحنا لتعانق نجوم السماء، وتعيش حالة الصفاء النفسي، تزكية في العلاقات الاجتماعية؛ لنشر روح الأخوة والإنسانية، والتسامح والتعايش، والعدل، والكرامة، والرحمة، والتعاون، والتآلف، والحب، والمودة ...ونحتاج تزكية في توظيف الطاقات والقدرات والكفاءات، والموارد والثروات.

نحتاج إلى تزكية في دعوتنا وذلك بتلمس واتباع المنهج الإلهي الذي يأمر بأن تكون دعوتنا بالحكمة والموعظة   الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، وتسخير المنح والعطاءات الإلهية والقدرات الإنسانية والكونية لفعل الخير، والتعارف مع الأقوام والشعوب، وإسداء المعروف. وشكر نعمة الإيمان وتبليغ الشعوب والقبائل رحمة الإسلام.

كما يحتاج لتزكية تلك العقول التي تتهم الإسلام الحنيف بالتحريض على العنف وكراهية الآخر، متناسية الخطابات القرآنية الكثيرة التي تخاطب الإنسانية جمعاء دون نظر لعقيدة أو لغة أ وجنس، فنجد هذا الخطاب ونحن نقلب صفحات المصحف :يا أيها الناس، يا أيها الإنسان، يا بني آدم، وبينما نرى هذا الخطاب الراقي الذي يحض على التعايش في ظل القواعد الإنسانية المشتركة نجد العكس في الخطابات الأخرى التي تكيل بمكيالين، وترمى الآخر بالأباطيل دون بينة وبرهان، وتعد الجنس الذي لا يشترك معه في عقيدته أو لا يتبع منهجه بأنه أمي وإرهابي،  وهذا بدوره يشجع على التطرف والعنف ويفسد العلاقات بين البشر، ويفتح بابا لشياطين الإنس والجن بالتحريش بين الناس.