أتى بابا الفاتيكان إلى المغرب؛ فإذا بنا نجده في محفلٍ ومشهدٍ يجمع تكوين الأئمة والدعاة وأمام حضورٍ غفير من الخطباء والوُعّاظ.. وكانت تؤدى على ظهر المسرح معزوفة تجمع بين الأذان لدى المسلمين وأصوات النداء الأخرى للملل الباطلة بوقعِ أنغام الربابة والكمان والوصلات الموسيقية!

تتلى ألفاظ الأذان الذي تفيض كلماته بتوحيد الله وتعظيمه وتنزيهه عن الشر!

وتُقرن مع كلماته قُدّاس النصارى وترانيم الكنائس التي تعج بالشركيات، ونسبة الولد إلى الله!

وتُذكر معها أناشيد (البارخو) اليهودية التي تُذاع عبر الأبواق وفيها ما فيها من الشركيات، والوثنية!

وكأنّ بين ذلك تلاقٍ ومساواة...! وما كانت الهداية كالضلالة... وليس الحق كالباطل.

لكن يُراد للأمّة بعد الاستهداف لدينهم وعقيدتهم؛ بثّ الدين الجديد الذي يعزف على ألحان العلمانية الجاهلية التي تأكل عقول الناس يوماً بعد يومٍ...

يقول بعضهم: إننا نريد بهذه الأعمال نشر التسامح وابتغاء التعايش بين الطرفين؛ والحق أنّه إن كان هنالك تجنٍ قد وقع من طرف على آخر فمن الباطل أن تكون معالجته بهذه الطريقة؛ علماً أنّ المسلمين هم أكثر ضحايا إرهاب الصليبيين، وأنّ عدد القتلى من المسلمين على يد الصليبيين هم أكثر من عدد ضحايا الأبرياء من النصارى على يد بعض المسلمين.

ونحن لسنا ضدّ التعايش السلمي مع بني الوطن من غير المسلمين؛ بل إنّ علماء الإسلام ضدّ الاعتداء على آحادهم وكنائسهم وعباداتهم.. وضد وجود فتنة تُحدث التهارج بغير حق.

لقد جعل الله تعالى من مقاصد الدفاع عن المظلومين؛ الدفاع عن أماكن عبادتهم ولو كانوا على غير ديننا؛ بل قدّم الله أماكن عبادتهم على أماكن عبادتنا لإشعارنا بضرورة الاهتمام بها كما نهتم بمساجدنا فقال تعالى: { وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

لئن فعل المبطلون الملبّسون جمعاً ودمجاً بين حقٍ وباطل؛ فإنّه لا يسوغ في دين الله السكوت عن هذا الباطل...  لئلا ليكون على حساب ديننا وثوابتنا.. فالأذان شعيرة خالصة ترمز إلى نداء الإسلام للصلاة والفلاح.. فكيف يُخلط ما خُصّت به شريعة الإسلام من شعيرة لتلتقي مع ترانيم أو تراتيل دينية أخرى!

وما هذا إلا محاولة حقيقية لإذابة الإسلام مع غيره من الأديان المنحرفة الباطلة.

وربما أرادوا أن يُحسنوا فأساؤوا من حيث لا يشعرون؛ فليس بمثل هذا تُنال محاسن الإسلام، وعرضِ صورته الحسنة؛ فثمّة طرق عديدة لذلك.

إنّ خلط شعائر الدين بغيره ليس من شرائعه لأنّ الشعائر شعار والشعار دليل الخصوصية والتميّز؛ والعلامة الفارقة بينه وغيره؛ ولهذا حين فُرض الأذان للنداء إلى الصلاة؛ ارتأى رسول الله صلّى الله عليه وسلم أن يُنادى له؛ وقد همّ بضرب الناقوس للدعوة إلى الصلاة، وكان يكرهه لمشابهته للنصارى، حتّى فرض الله شعيرة الأذان بطريقته المعروفة على رسول الله.

وحين فُرِضت القبلة لتحديد الاتجاه في الصلاة؛ استقبل المسلمون صخرة بيت المقدس في صلواتهم في بداية فرض الصلاة؛ إلاّ أنّ الأمر قد انتقل نهائياً وفرضت القبلة لتكون إلى بيت الله الحرام.

تأمّل الآيات : { قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ * وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ}

فإنّ في هذه الآيات أوجه دلالة عظيمة منها:

1.   رغبة رسول الله أن تكون قبلة المسلمين غير قبلة اليهود، ليكون في ذلك تمييزاً وشعيرة تخصهم وترمز لعقيدتهم وشريعتهم؛ واستجابة الله له.

2.   معرفة أهل الكتاب أنّ دين الإسلام هو الحق، وأن رسوله هو الحق؛ فهو الأحق بالاتباع؛ ولكنهم يكتمون الحق وهم يعلمون، وخلاف الحق الباطل فأهل الكتاب على باطل.

3.   أيّة محاولة لاسترضاء الطرف الآخر لمحاولة الدمج والخلط بين شريعة الإسلام وغيرها من الشرائع؛ فإنّ ذلك الطرف وإن أظهر الموافقة الظاهرة إلاّ أنّه لن يتبع ما عليه دين الإسلام؛ وإذا لم يتبع بعضهم قبلة بعض لثبات كل منهم على دينه؛ فلماذا نتبع قبلتهم وندمجها مع قبلتنا؟!

4.   كل من يتبع أهل الكتاب في شعائرهم وأعمالهم التعبدية ويفعل مثلهم ذلك؛ وقد جاءه العلم المُبيّن للافتراق بين دين الحق ودين الباطل؛ فإنّ متبعهم يكون من أهل الهوى بل هو من الظالمين.

·      لا مداهنة في شرائع الدين:

لئن ارتضى بابا الفاتيكان ذلك؛ فإنّ علماء الإسلام يرفضون هذا الادّهان الديني؛ لأنّ الله تعالى حذّر منه فقال: {ودُّوا لو تُدهن فيُدهِنُون}.

أمّا هذا الذي يجري باسم التقارب الديني ... فسمّه ما شئت.. إنّه التدجين الديني، وإن شئت فقل الأنوثة الفكرية، أو التنويق المعرفي!!

إنّ من يظنّ أنّ إنكار هذا الدمج بين الأذان، ونداءات الملل الباطلة؛ فإنّه هو من يصطنع الفتنة؛ لأنّه يحاول التسوية بين متناقضين!

إنّ مشكلة المنهزم نفسياً أنّه إذا ملّ من طريقة الوضوح والصراحة في الخطاب؛ فإنّه يُحاول إيجاد طريقة تلفيقية تجمع بين شيئين متنافرين؛ أو متناقضين.

قديماً كتب " فستنجر" عام ١٩٦٢ كتابه الشهير "نظرية التنافر المعرفي" وقد شرح فيه كيف يقوم الإنسان المتناقض بترويض التناقض وتلفيقه وجعله يجري في مصلحته، ولا أرى ما يقوم به دعاة الأفكار العلمانية إلاّ من هذا القبيل؛ فإنّهم يريدون تطويع كل شيء بحسب مصلحتهم، تارةً بعدم قدرتهم على الدخول في دوّامة الجدال لمعرفة من الأحق من المُبطل، وتارةً بسبب الهزائم النفسية المعشعشة في نفوسهم، وتارةً بحسب كراهية الدين ومحاولة خلط الحق بالباطل؛ ليحلو لهم المجال لنشر دينهم أو أديولوجية تفكيرهم الخاصة بهم...

مما هو معلومٌ عندنا أنّ لو وُلد خنثى مُشْكِل فإنّه لا هو ذكرٍ ولا أنثى...

وإنّ الخليط المُشكّل بين الإسلام والنصرانية لا هو بإسلام ولا هي نصرانية...

وإنّهم يسيرون على غير طريقة الأديان؛ التي تعرفُ ما الذي هو دين وما ليس كذلك.

ولقد جعل الله السكوت عن ذكر كلمة الحق لتغدو في موضع الكتمان من باب التلبيس.

وإنّ الذين يسعون للبقاء في المناطق الرمادية أو يختاروا الأوضاع الضبابيّة لعدم الدخول في جدالات الحقائق؛ فهم من أعظّم الناس تلبيساً في أمور الدين؛ وقد قال تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} ويقول تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}.

قال العلماء: لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وقد علمتم أن دين الله - الذي لا يقبل غيره ولا يجزي إلا به؛ الإسلام وأن اليهودية والنصرانية بدعة وليست من الله.

ربّنا لا تجعلنا ممن قلتَ فيهم : { وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }.