قد يكون البيان الأخير للرئاسة الجزائرية والذي أُعلن فيه إستقالة عبد العزيز بوتفليقة من منصبه خاتمة شكلية لصراع بين جناحي السلطة وبداية لتشكل هوية جديدة عقب الانتفاضة التي اندلعت رفضاً لترشح بوتفليقة (82 عاماً) لولاية خامسة أبرز ملامحها الخروج عن حالة صمت شعبية سادت خلال العشرين عام الماضية هرباً من شبح الصراع الذي تلى إنقلاب الجيش على نتائج الانتخابات في يناير عام 1991م وما عرف لاحقاً بــ"العشرية السوداء".

الرئيس الذي منذ إصابته بجلطة دماغية أقعدته في كرسيه المتحرك عام 2013 لقب خلال سنوات حكمه برجل "المصالحة الوطنية"، اليوم أصبح أكبر كوابيس الشعب الجزائري لا سيما عقب تدهور صحته وتدهور حالة البلاد معها، وقد لا يخفى على البعض ظهور بوادر تصارع بين جناحين في السلطة الأول يمثله مشروع التوريث بقيادة سعيد بوتفليقة والآخر يمثله قوة ونفوذ الجيش الذي يمثله القايد صالح الذي اعتبر نفسه مؤخراً الوصي الشرعي على العملية الديمقراطية في الجزائر.

ولد سعيد بوتفليقة في مدينة وجدة المغربية عام 1957 حينما كانت إحدى قواعد ثورة التحرير الجزائرية بالتزامن مع مرافقة شقيقه عبد العزيز للزعيم الجزائري الراحل حواري بومدين، و كحال أبناء النخب استكمل تعليمه المدرسي في مدرسة (سانت-جوزيف للآباء البيض) وهي إحدى مخلفات التبشير للكنيسة الكاثوليكية في المغرب العربي. وفي عام 1983م انتقل سعيد بوتفليقة إلى العاصمة الفرنسية باريس مع شقيقه الأكبر بعد خلافات مع الرئيس هواري بومدين، وفي عام م1987 عادت عائلة بوتفليقة إلى الجزائر وعام 1999م انتخب عبد العزيز بوتفليقة رئيساً للجزائر وعين شقيقه الأصغر مستشاراً له بقرار لم ينشر في الجريدة الرسمية. 

أدار سعيد بوتفليقة الحملتين الأنتخابيتين لأخيه في 2004 و 2008 وبدأ يظهر كبديل عن الرئيس بوتفليقه لا سيما عقب تدهور الحالة الصحية للرئيس عام 2005م . تنقل صحيفة "جون أفريك" عن أحد العاملين في قصر المرادية بأن سعيد بوتفليقه هو من يعين الدبلوماسيين والولاة ومدراء المؤسسات العمومية ويتدخل في كل تفاصيل جبهة التحرير حتى أصبح حارس البوابة و الحاكم الفعلي للجزائر.

في عام 2008 كشفت تسريبات لموقع ويكليكس منقولة عن برنارد باجولي، السفير الفرنسي السابق في الجزائر، أن الفساد الذي يعود منبعه للإخوة بوتفليقة (عبدالله وسعيد) قد وصل لقمة جديدة وأصبح يؤثر على تطور البلاد.

في عام 2014 وقبيل الانتخابات حاول سعيد بوتفليقة تقديم نفسه بديلاً عن شقيقه من خلال تأسيس التجمع من أجل الوئام الوطني لكن بسبب تبعات الثورات العربية تراجع عن هذه الخطوة وترك الحزب لشخص يدعى "سيد أحمد عياشي".

وفي فبراير 2014 اتهم الصحفي الجزائري وضابط الاستخبارات السابق، هشام عبود، في كتاب نشره بعنوان "جزائر بوتفليقة: نهب وعيب وفساد"، سعيد بوتفليقه بالتورط في عدة قضايا فساد منها ملفات متعلقة بشركة النفط سوناطراك.

يقول مصطفى بوشاشي، المحامي الجزائري البارز في مجال حقوق الإنسان: "لا نعرف من يدير البلاد". من الذي يعين الحكومات والسفراء والوزراء؟ هناك أشخاص يتخذون القرارات في هذا البلد بدون مناصب رسمية ودون مساءلة ".

منذ استقلالها عن فرنسا حاول النظام في الجزائر تشكيل توازن في توسيع السلطات والإستفادة من المكاسب على أتباعه سواء ما يتعلق بالأجهزة الأمنية أو رجال المال والأعمال. لذلك تقول هانا آرمسترونغ وهي باحثة في المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات، لا يجب الإفراط في تقدير دور الجيش وتأثيره في عهد بوتفليقة، فقد تميزت العهده الرابعة من حكمه بعملية تطهير استهدفت الكثير من جنرالات الجيش مقابل تضخم تأثير رجال الأعمال المقربين من النظام. منذ اندلاع المظاهرات قدمت عدة عروض للمتظاهرين أولها كان باستمرار بوتفليقة في منصبه حتى انتهاء فترة ولايته ثم إجراء تعديلات وزارية ومع وتيرة الانشقاقات التي تضمنت شخصيات من النظام ومؤسسات نقابية كانت تدور في فلكه جاء بيان الجيش الذي يؤكد على أهمية تطبيق المواد (28) و (102) من الدستور وكلاهما يشير إلى وصاية الجيش على العملية الديمقراطية.

جميع الحيل السابقة لم تنجح لإنعاش النظام المحتضر حتى خرج بيان للرئاسة أكد فيه استقالة بوتفليقة في 28 ابريل موعد انتهاء فترته الرئاسية لكن صحيفة الشروق الجزائرية قالت إن البيان خرج من سعيد بوتفليقة ومن يدورون في فلكه لا سيما عقب صدور بيان من النائب العام يمنع سفر عدد من رجال الأعمال المقربين من النظام، ولم تستبعد الصحيفة وجود خلية للمخابرات الفرنسية تعمل على تضخيم الصراع لتحويله إلى حالة فوضى في الجزائر.

في أغسطس2018م قام النظام الجزائري بحملة تطهير في صفوف الجيش فسرت على أنها تهيئة لمرحلة مقبلة حيث أحيل إلى التقاعد قائد الناحية العسكرية الأولى، اللواء لحبيب شنتوف، وقائد الناحية العسكرية الثانية، اللواء سعيد باي، وعين خلفا لهما اللواء علي سيدان مدير الأكاديمية العسكرية بشرشال، للمنطقة الأولى، واللواء مفتاح صواب قائد الناحية العسكرية السادسة، للمنطقة الثانية بوهران.

ووصف هذه الخطوة أستاذ العلوم السياسية بجامعة سطيف، محمد إسلام قرن، بأن ما جرى في سياق الاستعداد للإنتخابات الرئاسية المقررة في ابريل 2019،ودعم أيضاً الإفتراض السائد بأن عملية التطهير تجري في سياق صراع أجنحة داخل النظام، الأول وهو مشروع التوريث بزعامة سعيد بوتفليقة و الآخر خلفه رئيس أركان الجيش القايد صالح الذي يطمح لأن يكون بديلاً عن بوتفليقة الأكبر. تقول وكالة "سبوتنك" الروسية إن اللوائين اللذان أنهيت مهامها محسوبين على السعيد بوتفليقة، ضمن عملية تستهدف أشخاص آخرين.

ولم تكن الإعفاءات المذكورة سابقة في عهد بوتفليقة فقد أنهى سعيد بوتفليقة وجود قادة عسكريين أكثر قوة في المؤسسة العسكرية، أهمهم رئيس أركان الجيش الأسبق الفريق محمد العماري في 2004، ورئيس جهاز المخابرات الفريق محمد مدين في 2015، إضافة إلى حملة الإقالات التي طالت مديري الأمن الوطني، والدرك الوطني، ومدراء أمن بعض الولايات، وألوية في وزارة الدفاع الوطني.

لقد أظهر الجيش خصومة شرسة لإنهاء نفوذ النظام الذي شكله المستشار سعيد بوتفليقة لا سيما منذ بداية مرض الأخ الأكبر، رغم أن الجنرال صالح كان أحد عمدة الحكم في نظام بوتفليقة إلا أنه استغل فراغ السلطة لتنحية خصومه من الواجهة مستنداً إلى مجموعة تشريعات دستورية تجعل من البرلمان وصياً على تنفيذ مرحلة انتقالية مدتها 90 يوماً يتم خلالها تنظيم انتخابات وتشكيل حكومة انتقالية. لكن ولكون الجزائر من البلدان المصدره للغاز والنفط فإنه ستبقى محط أنظار التدخلات الخارجية لا سيما فرنسا التي تمتلك نفوذاً إقتصادياً وسياسياً ضخمة فيها يجبرها على أن تقول كلمتها رغم محاولات الجيش إظهار نفسه على أنه صانع السياسيات في هذا البلد الذي قدم قرابة مليون ونصف المليون شهيد دفاعاً عن حريته.