" وكنت أعتزم أن أحذو حذو فرنسا القديمة التي، بعد أن أصبحت بلاد الغال، ظلت محتفظة بالطابع الروماني، بحيث ستبقى الجزائر فرنسية من عدة أوجه".

هذا ما قاله وتعهد به الجنرال شارل ديجول (1890-1970)، رئيس فرنسا، عندما فكر أن يمنح الجزائر استقلالها، وذلك بعد أن أدرك، كما قال في مذكراته، أن عدم التسليم للجزائر بحقها في الاستقلال "يؤدي إلى إبقاء فرنسا تغوص سياسياً ومالياً وعسكرياً في مستنقع لا قاع له"…" فلم يكن أمامي من مخرج سوى منح الجزائر حق تقرير مصيرها بنفسها". وهكذا كان إنقاذ فرنسا الأم، هو سبب تفكير ديجول في منح الجزائر استقلالها، وذلك نتيجة لشدة ضربات الثوار الجزائريين، وتفاقم الخسائر الفرنسية، وتدهور سمعة فرنسا عربيا وإسلاميا ودوليا. والمهم أن هذا كان حلم ديجول، أي "صناعة الجزائر الفرنسية"، بينما كان يفكر في منح الاستقلال للجزائر، وذلك بعد أن أرتكب من الجرائم بحق الشعب الجزائري، خلال سنتين من حكمه، ما لم تعرفه الجزائر طوال الفترة السابقة من الاحتلال. ولذلك، فقد اتخذ ديجول قبيل استقلال الجزائر، العديد من التدابير[1]، التي تضمن بقاء الجزائر بعد استقلالها، محتفظة بالطابع الفرنسي. وكان من بين تلك التدابير، دعم مجموعة وجدة، المثيرة للجدل، وتهيئة المناخ المناسب أمامها، لاستلام السلطة في الجزائر، غداة خروج فرنسا منها، وذلك بزعامة محمد إبراهيم بوخروبة، الذي عرف باسمه الحركي "هواري بومدين"(1932-1978)، ذلك الشاب الزيتوني الأزهري، والذي انضم إلى الثورة، بدون رصيد نضالي سابق، فصار قائدا للمنطقة الغربية عام 1957، بعد اغتيال العربي بن مهيدي (1923-1957)، فقد ركزت القوات الفرنسية الاستعمارية حربها الشرسة على قوات المجاهدين في الجبهة الشرقية المتاخمة لتونس، والتي عرفت بضرباتها الصاعقة والموجعة للقوات الفرنسية المحتلة، أكثر بكثير من تركيزها على قوات المجاهدين في الجبهة الغربية المتاخمة للمغرب، حيث تقبع مجموعة وجدة، ولذلك فقد استطاعت هذه المجموعة أن تحافظ على كيانها وتنظيمها وآلتها العسكرية، وكانت تدين بالولاء المطلق لزعيمها الصارم بومدين، كما نجح المحتل خلال هذه الفترة من تصفية بقية القادة الكبار الذين فجروا الثورة، الأمر الذي هيأ الفرصة أمام بومدين لشغل منصب رئيس الأركان، عام 1960، حتى ألقي في روع هذه المجموعة، أنها الوحيدة المؤهلة لحكم البلاد، بعد خروج المحتل، فكانت النتيجة أن هذه المجموعة، وبعد تحالفها "التكتيكي" مع أحد زعماء الثورة التاريخيين، وهو أحمد بن بلا (1916-2012)، سيطرت على السلطة في الجزائر بالفعل، بعد إعلان الاستقلال عام 1962، بقوة السلاح، ومساندة المستعمر، والعبد الخاسر، فسجنت الكثيرين من المجاهدين، واستبدلتهم بمجاهدين مزيفين، وعملت على تحطيم ما تبقى من الشعب الجزائري المنهك، والذي كافح وواجه القوة الفرنسية المفرطة، بصدوره العارية وأقدامه الحافية، وحرر البلاد. بل لم تلبث أن أطاحت بابن بلا نفسه عام 1965، بمساعدة الطاهر زبيري، رئيس الأركان، وتنصيب زعيمها بومدين رئيسا للبلاد بدلا عنه، وذلك تحت شعار "تصحيح المسار الثوري"، وهو الانقلاب الذي لم تكن الإدارة الأمريكية بعيدة عنه. وقد تمكن بومدين بعد هذا الانقلاب، من أن يفرض سلطة مركزية شديدة، لم يكن ينازعه فيها منازع، وضرب بيد من حديد كل الذين تصدوا لمعارضته، وتمكن من تصفيتهم أو إزاحتهم: شعباني (1964)[2]، خيضر، زبيري،  عمار ملاح، بورزان عام 1967، بلقاسم (1970)، وغيرهم، وقد لعب جهاز المخابرات بقيادة قاصدي مرباح (1938-1993)، دورا بارزا في تثبيت أركان حكمه، وتمكينه في أن يكون الحاكم بأمره، الذي يتولى مختلف الوظائف الحيوية، في الدولة، وهي: رئيس الجمهورية، رئيس مجلس الوزراء، رئيس مجلس قيادة الثورة، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع، الأمين العام لـجبهة التحرير) الحزب الحاكم)، مع تحويل هذا الحزب إلى جهاز "بيروقراطي" ضخم، يتغنى بالزعيم وإنجازاته ويمجده صباح مساء. حتى وزارة الشؤون الدينية، تولى الإشراف عليها بنفسه، وأصبح اسم مولود قاسم (1927-1992)، وزيراً للشئون الدينية لدى رئاسة الجمهورية، وهذا لتكون المساجد قاصرة على الأئمة والخطباء الرسميين الذين تختارهم الوزارة، وتعمم عليهم الخطب التي تخدم توجهات النظام، في حين منع بومدين أي نشاط لجمعية علماء الجزائر، التي كان لها دور في جهاد المستعمر، وطارد من بقي حيا من علمائها، وعندما توفي كان كبار العلماء في معتقلاته. ومن أكبر الموبقات التي أرتكبها بومدين في حق الجزائر في حق الإسلام والعروبة، أنه فتح الباب على مصراعيه لضباط فرنسا للالتحاق بصفوف الجيش الجزائري، ووقف بقوة في وجه دعوات قادة الثورة المنادية بتطهير الجيش الجزائري من الضباط المشبوهين، الذين فروا من الجيش الفرنسي، والتحقوا بجيش التحرير في الأشهر الأخيرة من الثورة، وبعدها، وحماهم، وقام بتغليبهم على المجاهدين الحقيقيين، ولم يكن يسمح بإثارة قضيتهم في أي مناسبة، حتى أنه قال ذات مرة: "سأضع حجرا في فم كل من يتكلم عن ضباط فرنسا". وقد ظل هؤلاء كتلة متراصة متضامنة، واندمجت ضمن جماعة وجدة، في إطار مخطط ديجول لصناعة الجزائر الفرنسية. وكان هذا من أهم أسباب تصفية بومدين لقادة الثورة أولئك. وعندما هلك في ديسمبر 1978، كان ضباط فرنسا قد سيطروا على المفاصل الحيوية في الجيش، ووزارة الدفاع، من أمثال خالد نزار (1937-..)، والعربي بالخير (1938-2010)، ومحمد مدين (1939-..)، ومحمد العماري (1939-2012)، وإسماعيل العماري (1941-2007)، وغيرهم من الضباط الفرنكفونيين، المتورطين في تصفية الثورة، وإغراق البلاد في حمام دم، وخنق الصحوة الإسلامية، خلال "العشرية السوداء" (1991-2000)، وذلك بعد أن قاموا بإلغاء الانتخابات التي فازت فيها جبهة الإنقاذ. كما أن سياسة بومدين الاقتصادية، واشتراكيته، وتأميمه لممتلكات الناس، كانت وبالا على اقتصاد الجزائر، وعلى شعبها المسحوق، فقد دمر القطاعين الزراعي والصناعي، عندما اتخذ قرارا انفراديا بتبني نظام اقتصادي غريب عن هوية الشعب، كان من نتائجه أن الجزائر التي كانت تصدِّر القمح والمنتجات الزراعية، أصبحت تستورد القمح الرديء من أمريكا، والثوم من الصين، والبصل من اسبانيا. وهو الذي دمر التعليم في الجزائر، عندما جلب البعثيين من سوريا بالتنسيق مع صديقه حافظ الأسد[3]، وهو الذي أمر بالاختلاط في المدارس والجامعات، وهو القائل في إحدى خطبه: «إلى متى نبقى نكلم المرأة من وراء حجاب"، وقام بإلغاء ثانويات التعليم الأصلي والشؤون الدينية، وهو الذي أنشأها، كما أمر بتقليص حصص مادة التربية الإسلامية في المدارس والمعاهد، ولم يعد لها تأثير على نجاح الطالب أو رسوبه. كما أن بومدين، على عكس ما هو شائع من تعصبه للغة العربية ورفعه للواء التعريب، مكّن للغة الفرنسية في المدارس والجامعات وجميع الإدارات، ولم تؤد سياسته في التعريب، إلا لتأجيج النزعة الانفصالية، وأيضا نزعة العداء للإسلام والعروبة، اللتين زرعتهما فرنسا في عقول ونفوس، شريحة من أبناء البربر، في منطقة القبائل، تلك المنطقة الجبلية، التي عزلتها السلطات الفرنسية، خلال الحقبة الاستعمارية، عزلا تاما عن بقية البلاد، وذلك أن بومدين، كان يعمد إلى استفزاز البربر في هذه المنطقة، بدليل أنه عقد مؤتمر التعريب عام 1975، في مدينة تيزي اوزو القبائلية البربرية، بجنوب الجزائر، بدلا من عقده في الجزائر العاصمة، وذلك لدفع البربر في هذه المنطقة لاتخاذ مواقف أكثر تطرفا وعدوانية ضد العروبة والإسلام، ولتعميق النزعة الانفصالية في نفوسهم، وبالتالي، دفعهم للتشبث أكثر فأكثر بحضن أمهم فرنسا. وقد كان. وقد تشابهت سياسته في هذا المجال مع سياسة صديقه أسد النصيرية، تجاه الأكراد. وهكذا، فإن سياسة بومدين، بصفة عامة، قد أفرغت استقلال الجزائر من مضمونه، وساهمت إلى حد كبير في تحقيق الحلم الديجولي الصليبي، وهو إبقاء الجزائر تدور في فلك فرنسا عسكريا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا، وتعاني من أزمة عميقة حول الهوية، كما هو واضح وملموس حاليا، وقد استطاع بومدين أن يغطي على هذه السياسة، من خلال المتاجرة، بقضية فلسطين، والوحدة العربية، والعداء للكيان الصهيوني وفرنسا وأمريكا، وعدم الانحياز، والتعريب والأسلمة، وغير ذلك من الشعارات والتي لم تكن تهدف إلا لدغدغة عواطف الشعب الجزائري المسلم، وتخديره، وإلهائه عمار يراد به وبوطنه. ومع كل ذلك، فإن ترسانة الإعلام الفرنكفوني، قد جعلت من بومدين بطلا، ورجلا وطنيا بامتياز، وعبقريا خارقا للعادة، والغثاء يصدقون هذا، ولذلك تتورم أنوفهم لكل كلمة حق تُقال في بومدين، تخالف ما حشي في رءوسهم وما ألفوا سماعه عنه.     

***

 


 


[1] لمعرفة أهم تلك التدبير انظر أحمد الظرافي، الجنرال ديجول واستقلال الجزائر الملغوم، موقع دنيا الوطن الألكتروني، 8-11-2010، رابط: https://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/213732.html

[2] والمثير في حادثة تصفية هذا البطل أنه بعد أن حوكم محاكمة صورية بتهمة التمرد، وحُكم عليه بالإعدام، بأمر مباشر من بومدين، تم تنفيذ هذا الحكم فيه في إحدى الغابات التي كان المستعمر الفرنسي يعدم فيها المجاهدين. وهذه حادثة لها دلالتها.  

[3] وعلاقة بومدين الاسترتيجية بالرئيسين الباطنيين الماسونيين الخبيثين: الأسد والقذافي، وانخراطه إلى جانبهما فيما سمي بـ "جبهة الصمود والتصدي"، المثيرة للضحك، هي في حد ذاتها شبهة كبيرة، بل هي مؤشر هام على سوء طويته وعدم نزاهة غرضه، بجانب كونها مؤشر على علاقته بالماسونية، وعلى صحة الشكوك التي تحوم حول نشأته الغامضة في حي اليهود بقالمة.