"الثورة الإسلامية عام 1979 كانت خطوة مهمة في حياة يهود إيران، لأن هذه الثورة منحتنا حقوقنا الكاملة في ممارسة عقائدنا وشعائرنا، كما أنها جعلت الشعب اليهودي في إيران أكثر تدينًا وتمسًكا بعقائدهم بسبب الحرية الدينية والثقافية التي منحت لهم" [روبرت خالدر، أحد أعضاء مجلس إدارة المعبد اليهودي بطهران].

أرض إيران بالنسبة لليهود:

منذ أكثر من 2500 سنة، وهو تاريخ الوجود اليهودي في إيران أو بلاد فارس كما هو اسمها القديم، وأرض إيران تحظى بمكانة خاصة لدى اليهود، ويرتبط اسمها لديهم، بالكثير من الذكريات الشجية والعاطفية المتجذرة في الوعي الجمعي اليهودي، فإيران، بالنسبة لهم أرض كورش، مؤسس الإمبراطورية الفارسية، في القرن السادس قبل الميلاد، والذي خلصهم من السبي البابلي، وبنى لهم مدينة خاصة بهم في غرب إيران، وسمح بعودة من يرغب منهم في العودة، إلى أورشليم، وشجعهم على إعادة بناء الهيكل، كما أمر بإعادة الأواني الذهبية والفضية إلى بيت المقدس، وكان “بختصر” ملك بابل، قد أحضرها معه. وغالبًا ما تسرد هذه الحكاية خلال الاحتفالات اليهودية، تقديسًا لهذا الملك الفارسي البطل والمؤسس، والمذكور في التلمود كمخلص، والذي رسمت إحدى المنظمات الدينية اليهودية في الكيان الصهيوني صورة وجهه على عملة بجانب وجه ترامب، والذي جعل بعض اليهود يرتبطون بإيران أكثر من ارتباطهم بـأرض الميعاد. وفي أرض إيران أيضا العديد من الأماكن المقدسة والتاريخية لليهود، منها ضريح استر ومردخاي، في مدينة همدان، وضريح النبي دانيال في مدينة شوش، وضريح النبي حبقوق في مدينة تويسركان، وكل هؤلاء من أنبياء اليهود المقدسين عندهم. وإيران كذلك، هي دولة "شوشندخت" الزوجة اليهودية الوفية للملك يزدجرد الأول، وتحوي أرضها جثمان بنيامين شقيق سيدنا يوسف عليه السلام، والذي يحج إليه اليهود من أنحاء العالم، كما توجد فيها مقابر للعديد من العلماء اليهود البارزين ومنهم الحاخامان "هاراو اورشركاء"، في يزد و"ملا مشه هلوي"، في كاشان. ولكل ذلك وغيره، كانت الطائفة اليهودية في إيران، ولا تزال، تقدس أرض إيران، وترفض دعوة العودة إلى أرض الميعاد، وفاق حبها لإيران حبها لأورشليم، ولذلك لم يندفع يهود إيران للهجرة بكثرة إلى فلسطين، حتى بعد قيام الكيان الصهيوني عام 1948، مقارنة بيهود دول شرقي أوربا أو يهود اليمن، على سبيل المثال، وهذا رغم أنهم ساهموا في دعم حركة الهجرة اليهودية إلى فلسطين من دول آسيا الوسطى وأفغانستان وأذربيجان، والتي حدثت عبر إيران، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وكانت هناك علاقات سياسية وتجارية جيدة بين إيران وإسرائيل في عهد حكومة الشاه (1925-1979)، كما هو معروف، وكانت الشركات التجارية الإسرائيلية تعمل في إيران بحرية، ونفذت هذه الشركات مشاريع ضخمة هناك، كفندق “هيلتون” في طهران وغيره، وكانت أعداد يهود إيران غداة اندلاع ثورة الخميني، بين 80 -100 ألف نسمة، وكانت هناك جالية يهودية تعيش في طهران، وقتذاك، وكانت علاقتها ممتازة بالشاه، وكان منها أهم التجار، وكان اليهود لهم السبق في تشييد دور السينما في إيران، وكان لهم صحف ومجلات، وكان مسموحا لهم الالتحاق بالمؤسسة العسكريّة والدراسة في المدارس العامة، وتأسيس النوادي والصحف، والسكن في الأماكن التي يرغبون فيها.

يهود إيران وثورة الخميني:

وبعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979، قام نظام الخميني بإغلاق السفارة الصهيونية، في طهران، والإعلان عن قطع مختلف أشكال العلاقات مع الكيان الصهيوني، واعتباره سرطان يجب إزالته، كما قام بإعدام حبيب غاليان، رئيس الجمعية اليهودية في إيران لفترات طويلة، وأحد أكبر التجار الإيرانيين، وذلك بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، ونتيجة لكل ذلك وغيره، فقد هاجر كثير من اليهود الإيرانيين، إلى خارج البلاد، الأغنياء إلى أمريكا وكندا، ودول أوربا، والفقراء إلى الكيان الصهيوني، وهؤلاء لم يكونوا قد أدركوا بعد، أهداف وأبعاد الثورة الخمينية، وعلاقتها بأجهزة المخابرات الصهيونية والأمريكية والبريطانية، وسعيها من خلال الشعارات المعادية للأمريكان واليهود، لجذب انتباه شعوب العالم الإسلامي لهذه الثورة الرافضية، ودغدغة عواطفهم تجاهها، لغرض تصدير أفكارها الضالة والهدامة إليهم، وصرف انتباههم عن القضية الفلسطينية. ورغم ذلك، فقد أختار قسم من اليهود، البقاء في إيران، والذين سرعان ما عادوا لممارسة أنشطتهم وحياتهم وطقوسهم، بصورة طبيعية، بعد أن أصدر الخميني فتوى بأن اليهود أقلية دينية يجب حمايتها، وأن أي اعتداء عليها محرم شرعًا، وبعد أن اتضح لهم الخط العام للثورة. يقول «دانيال معتمدي»، أحد أعضاء الجمعية اليهودية في إيران: "إن ما حدث خلال الثورة الإسلامية أثار مخاوف اليهود، خصوصًا بعد إعدام حبيب غاليان: «كان بمثابة الأب الروحي لجميع اليهود، ولا يمكنني لَوْم من غادر إيران، لكن بعد أن هدأت الأمور قليلًا في البلاد أصدر الخميني فتوى فحواها أن اليهود أقلية دينية يجب على الدولة حمايتها، وأن أي اعتداء عليها محرم شرعًا". ثم أن الدجال الخميني أجتمع بأعضاء الطائفة اليهودية في إيران، ونفى أن يكون لقيادة ثورته أي نوايا عدوانية تجاه الأقلية اليهودية في إيران، وطمأنهم على حياتهم ومستقبلهم، فقال: (عندما كنا في باريس كانت سوق الدعايات رائجة في مختلف المجالات، ومن جملة تلك الدعايات كان يقال إذا انتصر المسلمون في إيران سوف يوقعون المجازر باليهود والنصارى لأن المسلمين يخططون لقتل جميع اليهود، وقد أوضحتُ مراراً في مقابلاتي التي أجريتها الحقيقة التي يؤمن بها الإسلام، وقد أتاني ممثل الطائفة اليهودية وتحدّثت معه عن منهج الإسلام). ومضيفا: (إننا نفصل بين اليهود وبين الصهاينة، فالصهيونية لا علاقة لها باليهودية). ناهيك عن اليهود الذين ركبوا موجة الثورة، واندمجوا في المجتمع الشيعي، لكي يتمتعوا بالمزايا والحقوق التي يتمتع بها الشيعة، ومن ذلك المساهمة في إدارة الدولة، وتقرير سياساتها ومصيرها، واستمرار التأثير السلبي في عقيدة الشيعة من داخلها. وهذا وإن كنا لا نملك وثائق للدلالة عليه، إلا أنه غير مستبعد، فقد صار معلوما لدينا أنه عند قيام الدولة الصفوية في إيران عام 1502، كان هناك 300 قرية يهودية في إيران ركبت موجة التشيع، لأن اليهود، وجدوا فيه ما يحقق أغراضهم الخبيثة ضد الإسلام، ولاشك.    

واقع الأقلية اليهودية في إيران:

ويبلغ تعداد اليهود في إيران، حاليا، بين 25–45 ألفا، بحسب المصادر الصحفية، 9900 يهودي، بحسب إحصاءات الوكالة اليهودية (2017)، نصفهم يعيشون بطهران، وبقيتهم يتوزعون في أصفهان وهمدان وشيراز، ويتعايشون في وئام مع الشيعة، والنصارى الأرمن. ويعتبر اليهود في إيران، حاليا، في وضع ممتاز جدا مقارنة بالأقليات الأخرى، التي تتعرض إلى الاضطهاد ومحاولات طمس الهوية، وبخاصة المسلمين السنة والمحرومين من كل الحقوق. فاليهود في إيران يتمتعون بكافة حقوقهم الدينية والاجتماعية والثقافية، ولديهم مقعد في البرلمان الإيراني، باعتبارهم أقلية دينية معترف بها، بجانب الأقليات المسيحية والأقلية الزرادشتية، وذلك طبقا للدستور الإيراني، ويتجاوز عدد المعابد اليهودية في إيران، 25 معبدا، منها 10 معابد، في طهران وحدها، في حين لا يوجد بها مسجد واحد للسنة، رغم أن أعدادهم فيها تتجاوز المليون. ولليهود في إيران مدارس خاصة بهم، ومطاعم، ومحلات للجزارة، ومكتبة مركزية، ودارا للنشر، تنشر الكتب والأبحاث بجميع اللغات وهي دار “بروخيم". ، ولديهم مقابر خاصة بهم، ودارا للعجزة، ومنظمات شبابية ونسوية، ومؤسسات ثقافية، كمؤسسة أنجومان كاليميان بطهران، والتي تنشر مجلة شهرية بالفارسيّة بعنوان (أفق بينا)، ناطقة باسم الجمعية اليهودية بطهران، ولديهم صحيفة بالفارسية، اسمها (شهياد)، ولديهم جمعيات خيرية لحل المشكلات الاجتماعية والصحية والاقتصادية لليهود، كما أن لليهود مستشفى خيري بطهران، ممول من التبرعات اليهودية، إلا أن حكومة روحاني خصصت له مؤخرا ميزانية قدرها 400 ألف دولار، وإلى جانب ذلك يحصلون على عطلات رسمية في أعيادهم ومناسباتهم، وتصل عطلة عيد الفصح إلى ستة أيام، في حين لا تتجاوز عطلة كل من عيد الفطر وعيد الأضحى، عن يومين على الأكثر، لأن كل منهما يعتبر من أعياد أهل السنة (النواصب). كما أنه مسموح ليهود إيران زيارة أقاربهم في الكيان الصهيوني، عبر السفر لقبرص، كما تسمح السلطات الإيرانية بزيارة يهود الكيان الصهيوني لأقاربهم في إيران، وتتولى السفارة الإيرانية بتركيا تزويد هؤلاء المسافرين بجوازات سفر خاصة. وفي يناير 2015 أقيم في المقبرة اليهودية بطهران، نصب تذكاري تكريما للجنود اليهود الإيرانيين، الذين قتلوا في الحرب الإيرانية العراقية – زعموا-. وسمحت حكومة روحاني للمدارس اليهودية بالعطلة يوم السبت، ورافق عضو البرلمان اليهودي، الرئيس روحاني، إلى جلسة الأمم المتحدة بنيويورك عام 2015، وبارك روحاني لليهود بحلول رأس السنة العبرية، وحذا حذوه وزير الخارجية، وهي مبادرة قوبلت بالارتياح من قبل يهود إيران.

وبالمقابل، فإن يهود إيران يزايدون بوطنيتهم وبولائهم لإيران، ويشعرون بالامتنان للثورة الخمينية، التي متعتهم بتلك الحقوق، ويقومون بأحياء ذكرى اندلاعها، وأيضا ذكرى رحيل الخميني كل عام. كما أنهم يزايدون في تبني مواقف حكومة الآيات المتعلقة بالقضايا الخارجية، بدءا من قضية فلسطين ومعاداة الصهيونية، وانتهاء بالتدخل الإيراني العدواني في سوريا. وموضوع يهود إيران أكبر من أن يستوعبه مقال واحد.