من الأكيد أن السنة السياسية الحالية ستكون حافلة بالأحداث، فمن حالة التجاذب بين الحكومة والنقابات مرورا بالصراع الداخلي بين أجنحة نداء تونس ووصولا الى الانتخابات المقبلة التي سيكون موعدها نهاية العام، يستمر تواتر الأحداث وتزايد التجاذبات وتشكل التحالفات وانفضاضها بصورة متسارعة، مشهد يكشف عن أزمات اجتماعية من جهة وحيوية سياسية عالية من جهة أخرى وهو ملمح عام لتونس ما بعد الثورة.

رغم أن موعد الاقتراع تفصلنا عنه بضعة شهور إلا أن حمّى الانتخابات بدأت بالتصاعد بشكل خفي من خلال حملات إعلامية متضادة وإعلان وجوه سياسية مختلفة عزمها على خوض معترك الانتخابات الرئاسية، وعلى الرغم من تعدد الأسماء التي أبدت استعدادها للترشح وهو أمر طبيعي قياسا الى تجربة انتخابات 2014 التي عرفت 27 مرشحا في دورتها الأولى إلا أن الأكيد بروز أسماء معينة ستكون الأكثر حظا في خوض غمار الانتخابات وأكثر جدية في طلب ود الناخب التونسي.

ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو إعلان الرئيس الحالي من خلال أوساط مقربة منه عزمه على خوض تجربة الرئاسة من جديد، حيث ظهرت تصريحات متكررة لمقربين منه تؤكد ان الرئيس الباجي قائد السبسي سيكون مرشح حزب نداء تونس في الانتخابات الرئاسية المقبلة على الرغم من ان الرجل قد جاوز التسعين بسنوات وعجز عن تقديم صورة جيدة أثناء سنوات حكمه الماضية في إدارة الملفات السياسية المختلفة وظهوره بمظهر الرئيس العاجز في كثير من الأحيان إلا ان المحيطين به يضغطون عليه من اجل الترشح، وهم في هذا يحافظون على دائرة المصالح والنفوذ الذي تحقق لهم طيلة تواجد الباجي قائد السبسي في قصر قرطاج وإذا كان الظرف السياسي قد خدم السبسي سنة 2014 من خلال تشكل تحالف حزبي كبير حول شخصه ومن خلال ما سُمّي وقتها التصويت المجدي الذي منع تشتت كثير من الأصوات التي صبت لصالحه إلا ان الظرف الحالي مختلف تماما سواء بسب الانشقاقات التي عصفت بحزب الرئيس أو لفقدانه دعم الكثير من الوجوه السياسية المهمة التي شكلت حزاما داعما له من قبل.

في المقابل أعلن رئيس الحكومة يوسف الشاهد في مؤتمر جماهيري انعقد يوم 27/ 01/ 2019 بمدينة المنستير (مسقط رأس الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة) عن تأسيس كيان حزبي جديد حمل اسم "تحيا تونس) ليكون هذا التنظيم السياسي هو الحزب الرابع الذي ينشق عن الحركة الأم "نداء تونس" بعد انشقاق كل من حزب "مشروع تونس" وحركة "تونس أولا" وحزب "مستقبل تونس"، وما يمكن ملاحظته أن كل هذه القوى المنشقة عن حزب الرئيس الباجي قائد السبسي ترفع تقريبا ذات الشعارات والتي تؤكد على تبني البورقيبية والحداثة والخيارات الليبرالية في الاقتصاد، ويبدو أن حزب رئيس الوزراء الحالي سيكون أكثر حظا في منافسة حركة "نداء تونس" بعد أن تمكن من اجتذاب النواب الموالين لها في مجلس النواب وشكّل كتلة تضم 54 نائبا بالإضافة الى إقناعه عدد مهم من ناشطي حزب "آفاق تونس" وهو حزب ليبرالي صغير بالانضمام الى هياكل الحزب الجديد.

إن سرعة تشكيل الحزب الجديد تكشف عن رغبة يوسف الشاهد في خوض الانتخابات المقبلة والعودة الى منصب رئاسة الحكومة وهو الذي أعلن أنه لن يخوض الانتخابات الرئاسية. وقد يتمكن الحزب الجديد من نيل مقاعد في مجلس النواب المقبل غير أنه يظل مهددا باستنساخ تجربة الحزب الذي انشق عنه اعني نداء تونس بكل علاّته وصراعاته فلا شيء يضمن بالنسبة لحزب تشكل على خلفية مصالح سياسية أن يتفكك في صورة عدم نيل الفرقاء المؤسسين له المناصب التي يطمحون لها.

إن مشكلة المشهد السياسي في تونس الحالية يكمن في حالة الإسهال الحزبي المفرط حيث نجد 216 حزبا سياسيا قانونيا فيما لا نجد واقعيا سوى اقل من خمسة أحزاب فاعلة ومؤثرة وفي جو الحريات العامة يمكن لأي اتجاه إيديولوجي او سياسي تأسيس كيان حزبي ولكن هذا لا يعني الفاعلية او القدرة على الوصول الى مواقع السلطة.

إن حالة الصراع بين القوى الحزبية المختلفة في تونس تكشف عن سرعة التحولات والتغيرات التي يعرفها المشهد السياسي في البلاد خاصة في السنة الحالية حيث أن غالبية الطيف الحزبي التونسي يسعى الى تسجيل حضوره في الانتخابات الرئاسية المقبلة بأشكال مختلفة إما بترشيح وجوه تنتمي إليها او دعم أخرى قريبة منها وفي كلتا الحالتين فإن الانتخابات الرئاسية ستتأثر قطعا بالانتخابات النيابية التي ترافقها بما يعني أننا قد نكون أمام مشهد مكرر لانتخابات 2014 حيث كان الصراع بين قوى النظام القديم التي تحتفظ بنفوذ واسع في الدولة والجيل الجديد الذي يشعر بالانزعاج من مشهد سياسي ما يفتأ يعيد إنتاج ذاته دون قدرة على خلق الحلول أو التقدم بالبلاد.