استمتعت مؤخراً بمطالعة كتاب (إستهداف أهل السنة) لمؤلفه المسيحي اللبناني سمير خليفة، كانت الفكرة تتمحور دائماً حول الخوف من الإسلام والكم الكبير من المؤامرات التي تستهدفه بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من كتل دينية وإثنيات مختلفة ترى فيه تهديداً لوجودها وقدرتها على الهيمنة والبقاء. ذلك التآمر الذي يتحدث عنه الكاتب يتضمن الحروب التي دائماً يكون مركزها منطقة الشرق الأوسط ومُشعلها أيضاً واحد وهو المنظومة الغربية سواء كان يمثلها الناتو ويتصدر مشهدها الفيلق الأجنبي في الجيش الفرنسي الذي ينشر قواعده في 5 دول افريقية أو الاسطول الأمريكي الخامس الذي يتجول لغاية حماية امدادات النفط ومكافحة الإرهاب أو "إسرائيل".. منذ أحداث 11سبتمبر 2001 كانت كل خطوة عسكرية تقدم عليها واشنطن تستفيد منها إيران والمنظمات الشيعية في المنطقة سواء الحرب الأمريكية على أفغانستان أو على العراق أو على سوريا والمتضرر منه أهل السنة، هل يمكن إعتبار ذلك من قبيل الصدفة؟!  أم أنه يتماشى مع تصريحات لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس أدلت بها عام  2005 لصحيفة واشنطن بوست أكدت فيها سعي إدارتها لنشر "الديمقراطية في العالم العربي والبدء بتشكيل "شرق أوسط جديد" عبر نشر "الفوضى الخلاقة"!.  قبل أيام لفت انتباهي مشادة كلامية بين الداعية الأزهري المصري عبدالله رشدي وشبان وفتيات استضافتهم قناة (dw) الألمانية الموجهة، كانت الحلقة أشبه بمسرحية أسفت جداً على الشيخ رشدي المشاركة فيها، لوكنها تستهدف تشويه صورة الإسلام الحقيقية عبر وجوه مسلمة شابه تريد أن يدفع الإسلام ثمن ظلمها على يد النظام الفاسد في سوريا.. سياسة التلقين التي تبتدعها القنوات الغربية الموجهة للاجئين شباب واستغلالهم لمواجهة الهوية الدينية للمسلمين أصبحت ظاهرة تنتشر بكثرة تمثل جزء من منظومة ما يعرف بــ"محاولات إصلاح الإسلام" ، كالمبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمنح المسلمين في فرنسا "إسلام جديد" يناسب علمانية البلد الذي يعيشون فيه!

مفاهيم مثل "الإعتدال" و"الوسطية" و"الحداثة" و"المدنية" كلها تأتي في سياق ومسار واحد يدور حول كيفية تغيير الإسلام، وإلغاء هويته التي تضمن استمرارية انتشاره وهذه الهوية لا تتضمن فقط تحديد ماهية مفهوم "الجهاد" أهو جهاد "الدفع" أم " الطلب" وما هية الجهة المخولة في الأمر به، ففي صيف 2014 أطلق المرجع الشيعي العراقي فتوى أطلق عليها "فتوى الجهاد الكفائي" جيّش بواسطتها عشرات الآلاف من الشبان الشيعة لتشكيل منظمة الحشد الشعبي، كانت تلك المنظمة مجرد جيش حرس ثوري إيراني جديد لممارسة سياسة التطهير ضد المناطق ذات الأغلبية السنية بذريعة محاربة "داعش".. اليوم تلك المدن مهمشة من خطط الحكومة لإعادة الإعمار ونصف سكانها مهجرين في البلدان المحيطة وأوروبا، والحشد الشعبي أصبح جزء من الجيش العراقي، لكن لم يحقق أحد بهوية الجهاد الذي فرضته المرجعية الشيعية على أتباعها ولم يكن أحد ليتهم الحشد الشعبي بالتطرف أو ممارسة الإرهاب لأنه جزء من "الفوضى الخلاقة".

ظاهرة التطرف وظهور الكثير من الخارجين عن الهوية الإسلامية السليمة قد يكون أبرز أسبابه التدخلات الخارجية في منطقة الشرق الأوسط التي تسببت بالإخلال بالإستقرار الأمني في المنطقة العربية ومحاولة تقويض أنظمة حكم واستهداف وحدة واستقرار الدول والشعوب، لكن الثغرة الأكبر التي سمحت بتضخم هذه الظاهرة غياب دور الخطاب الديني الرسمي وضعفه في احتواء واستيعاب ومعالجة مثل هذه الظواهر التي أصبحت عبء على الإسلام ورسالته في تعزيز القيم وترسيخ السلام والعدل في المجتمعات.

مثل هذه الظواهر دفعت ثمنها المسيحية في العصور الوسطى حينما مارست الكنيسة الكاثوليكية الوصاية على أتباعها ومنعتهم من التعلم وهاجمت العلماء وأنجبت طبقة من الباباوات يمارسون الإقصاء والأوتقراطية والفساد كجزء من أنظمة حكم قيصيرية همشت شعوبها وتركتهم لمواجهة التصارع والفقر والفناء. فحينما أثبثت جاليلو جاليلي دوران الأرض حول الشمس اتهم بالهرطقة ومخالفة تعاليم (الكتاب المقدس) وأُرسل إلى محاكم التفتيش وحكم عليه بالسجن في منزله تجنباً للموت تحت التعذيب! تلك المعركة بين النخب العلمية والكنيسة في أوروبا أنجبت في القرن السادس عشر الحركة الإصلاحية البروتستانتية التي قسمت ظهر المسيحية وحولتها إلى طوائف متناحرة أرثوذكسية وانجيلية وغيرها من الإنقسامات التي تركت مساحة كبيرة لظهور الإلحاد في أوروبا والطوائف العقلانية.

الامتحان الكبير الذي أمامنا اليوم يتعلق بالهوية الدينية التي نريدها هل هي المستندة إلى الموروث الإسلامي السلفي المستند إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، أم العقلانية التي تحاول إجتزاء الشريعة وتعديل مفاهيمها، هناك الكثير من التفاصيل الفقهية والعقدية التي لا يعرف عنها العوام شيئاً لكنهم دائماً يستهدفون قضايا تتعلق بالميراث والجهاد وغيرها، لأنهم يخاطبون العاطفة ولايستهدفون العلم، يريدون الإنتقاص من الهوية الدينية للمسلمين لكنهم لا يستهدفون الكثير من الظواهر السيئة في الطوائف الدينية الأخرى. يمكن محاربة التطرف بمحاربة المتطرفين أنفسهم ليس لكونهم مسلمين بل لأنهم اساءوا للإسلام بالتستر باسمه لتنفيذ جرائمهم. وهذا الامر يظهر أزمة الوعي لدينا كمسلمين ودور المؤسسة الدينية الرسمية فيها وكذلك دور الأسرة والمجتمع في هذه المهمة التي يتم خلالها صياغة العقول وصناعة هويتها والحاضنة التي تنتمي إليها.