منذ فشل التوافق على مخرجات وثيقة قرطاج الثانية التي اقترحها الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، خاصة في نقطتها المتعلقة بإقالة رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد، عرفت الساحة السياسية التونسية حالة من التجاذب بين القوى الحزبية والاجتماعية المختلفة أثّرت على طريقة التعاطي الرسمي مع الملفات الاجتماعية الساخنة مع بداية العام الإداري الجديد.

ذلك أن الخلاف بين الرئاستين (رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة) أفضى إلى نوع من القطيعة السياسية بين الطرفين على الأقل في المرحلة الحالية. وتعود جذور الخلاف إلى حالة الانشقاق التي قادها رئيس الحكومة يوسف الشاهد في حزبه السابق نداء تونس، ورغم أن هذا الانشقاق لم يكن الأول من نوعه إلا انه الأهم دون شك. فقد استطاع رئيس الحكومة أن يجتذب إليه بمهارة الجزء الأكبر من نواب الحزب الحاكم مشكّلا كتلة نيابية كبرى تضم 48 نائبا وليبدأ بعدها في الإعداد لإطلاق حزب سياسي جديد يقتحم من خلاله الحياة السياسية انطلاقا من العام الجديد. ورغم إعلانه عدم الترشح الى أي منصب في الانتخابات القادمة المقرر انعقادها أواخر 2019 إلا أن هذا لا يعني تخليا منه عن هدف البقاء في السلطة، فالمتابع للشأن التونسي يدرك أن منصب رئاسة الجمهورية ورغم كونه يستند الى اختيار شعبي انتخابي إلا أنه لا يحظى بصلاحيات واسعة في إدارة الشأن العام، حيث يهيمن رئيس الحكومة على غالبية المرافق الرسمية ويتولى من خلالها تسيير الدولة، هذا المنصب يقترن عادة بالحزب الفائز في الانتخابات النيابية كما يقوم على بناء تحالفات تضمن لرئيس الحكومة التمتع بدعم نيابي مريح ومن هنا كان سعي رئيس الحكومة الحالي الى بناء حزب سياسي يطمح من خلاله الى الحفاظ على موقعه الحالي.

في المقابل كان لموقف حركة النهضة صاحبة الكتلة البرلمانية الأكبر دورا حاسما في بقاء يوسف الشاهد على رأس الحكومة رافضة مقترحات رئيس الجمهورية الداعية الى سحب الثقة منه وإقالته من منصبه. موقف دفع رئيس الجمهورية وحلفائه (المتشكلين أساسا من اتحاد النقابات ومن بعض لوبيات المال والإعلام) الى محاولة تحريك الشارع كأداة للضغط السياسي مستغلين ملفات اجتماعية حارقة تتعلق بارتفاع الأسعار وقضايا البطالة لإخضاع رئيس الحكومة وصولا الى إطاحته من منصبه.

رغم تلويح الاتحاد العام التونسي للشغل بتنفيذ إضراب عام يوم 17 يناير المقبل ومحاولة بعض القوى القريبة من اليسار تحريك الشارع عبر استنساخ نموذج السترات الصفراء الفرنسي (الحمراء في تونس) إلا ان موقع الحكومة الحالية لم يتأثر كثيرا وهي التي ضمنت لنفسها دعما برلمانيا واسعا، الأمر الذي دفع رئيس الجمهورية الى الدعوة لانعقاد لقاءات موسعة تضم القوى الأهم في المشهد السياسي ونعني بها رئيس الحكومة يوسف الشاهد وحليفته حركة النهضة من جهة والاتحاد العام التونسي للشغل حليف رئيس الجمهورية من أجل إيجاد حل للانسداد السياسي والاجتماعي الحالي. هذا التحرك العاجل للرئاسة يعود الى يقينها من فشل التحركات في الشارع التي كانت تراهن عليها القوى الحليفة له ونعني بها تحديدا حزب نداء تونس (الشق الذي يتزعمه ابن الرئيس حافظ قائد السبسي) واتحاد الشغل وبعض القوى الحزبية الصغيرة التي عجزت عن تجييش الشارع، ويعود هذا الفشل الى إدراك الرأي العام أن حسم الخلافات السياسية إنما يتم عبر بوابة الانتخابات القادمة التي ستفرز قيادة جديدة منتخبة تتولى مسؤولية إدارة الدولة.

لقد وجد رئيس الجمهورية نفسه محاصرا بين رغبته في التخلص سياسيا من رئيس الحكومة الذي جاء به هو نفسه الى منصبه وبين مراعاة التوازنات السياسية في البلاد بما يعني ضرورة التعامل مع القوى الحزبية الكبرى لإيجاد توافقات جديدة تعيد ترتيب المشهد السياسي خاصة أن الوقت الباقي له في منصب الرئاسة ينحسر تدريجيا وليس أمامه سوى أشهر قليلة لإجراء الانتخابات المقبلة التي قد تطيح به وبحزبه نداء تونس خارج السلطة نهائيا.

قد تشهد الأيام القادمة مزيدا من التصعيد على الواجهة الاجتماعية من اجل تحسين شروط التفاوض السياسي بين الفرقاء والخروج بصيغة تعايش جديدة لا تقوم على رابح مهيمن أو خاسر مطلق، فقد أفلحت القوى السياسية التونسية من قبل الى الوصول الى مثل هذه التوافقات بعد أزمات شبيهة كما حصل سنة 2014 غير ان هذا لا يتم في غالب الأحيان إلا بادراك جميع القوى الفاعلة أن أسلوب المغالبة وحسم الصراع عن طريق المعادلة الصفرية التي تضمن هيمنة طرف على آخر أمر غير ممكن في مرحلة الانتقال الديمقراطي التونسي. ويظل الشارع التونسي الطرف الذي يراقب تطور الصراعات السياسية التي تثير انزعاجه أحيانا بسبب عبثيتها وستكون له الكلمة الحاسمة من خلال الانتخابات المقبلة لإعادة توزيع مواقع السلطة ربما قد تغير موازين القوى وقد تعيد إنتاج ذات القوى المهيمنة اليوم وهو الأرجح حسب المؤشرات الحالية.