إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الانسحاب من سوريا كان مفاجئاً للكثير من شركاء الولايات المتحدة في المنطقة وشركاء ترامب في الحكم بما فيهم وزير دفاعه جيم ماتيس الذي أعلن إستقالته بعد أيام من قرار ترامب. فإعلان ترامب جاء محبطاً للحكومة الصهيونية بالإضافة إلى الأتراك وعزز ما ذكرته الصحف الأوروبية حول كونه "حليف غير موثوق"، لكن هل فعلاً تخلت واشنطن عن طموحاتها المتعلقة بحماية الأمن الصهيوني والحد من نفوذ "داعش" في المنطقة؟!

 في عام1973م أنشأت واشنطن جسراً جوياً لتوفير إمدادات عسكرية لدعم الجيش الصهيوني في حربه ضد مصر في محاولة لإظهار عمق علاقتها بالكيان الصهيوني وقدرتها في صناعة المعادلة الجديدة في الشرق الأوسط، وفي عام 1979م سمحت الولايات المتحدة لروح الله خميني مع المئات من أنصاره للإنقلاب على محمد رضا بهلوي دون أن تحرك ساكناً تبعه عام 1983م انسحاب أمريكي من لبنان بالتزامن مع الحرب الأهلية اللبنانية سمح بتضخم قوة حزب الله وتوسع نفوذ الحرس الثوري الإيراني في لبنان، وفي عام 2001 تعاون الجيش الأمريكي مع الإيرانيين والشيعة للإطاحة بحكم حركة طالبان في أفغانستان وتمكين حكومة حامد كرزاي المولي لإيران في إدارة شؤون البلاد.  وفي عام 2011 قرر الرئيس الأمريكي باراك أوباما ببدء تقليص القوات الأمريكية في العراق بعد أن تم القضاء على القوى السنية وتهميشها لصالح إنشاء مليشيات شيعية تدعمها إيران بغطاء أمريكي كامل توجها تشكيل الحشد الشعبي الذي أصبح في مابعد جزء من الجيش العراقي.

القرار الأمريكي الأخير لا يختلف كثيراً عن سابقاته، فبعده مباشرة أعلن الرئيس السوري بشار الأسد أنه سمح للمليشيات الشيعية العراقية بمطاردة "داعش" في شرق سوريا وهذه الخطوة تؤكد أن ما فعلته واشنطن هو فقط تمكين إيران من إنشاء خط بري متصل من لبنان إلى سوريا ثم العراق. 

في اليمن تنفذ الولايات المتحدة الأمريكية عشرات الغارات على قادة تنظيم "القاعدة" وتقول إن هذه المعركة تستهدف الإرهاب لكنها لم تنفذ غارة واحدة تستهدف جماعة الحوثي أو عمليات تهريب الأسلحة التي تنفذها الجماعة وهكذا فعلت طوال الحرب بين المعارضة السورية والمليشيات الشيعية.

حينما تقدم الجيش السوري النظامي والمليشيات الشيعية للإستيلاء على حلب وقتل الآلاف من سكانها لم تستنكر الولايات المتحدة الهجوم بذريعة الكثافة السكانية في المدينة، لكنها فعلت ذلك حينما بدأت قوات التحالف العربي بتنفيذ هجوم على الحديدة اليمنية بل واستخدمت نفوذها لتدخل دولي ترجم بوقف الهجوم و وضع الجنرال الهولندي باتريك كاميرت المكلف من الأمم المتحدة للإشراف على إعادة انتشار القوات في المدينة وهو أمر فسر بأنه تدخل هدفه الحفاظ على دور سياسي مستقبلي لجماعة الحوثي في الدولة اليمنية.

دائماً تتكلل التدخلات الأمريكية في المنطقة بتعزيز النفوذ الإيراني وهذا الامر ما وصفته "فورين آفير" بالقول إن الإلتزامات العسكرية الأمريكية الشاملة والغير حاسمة تجعل صانعوا السياسات يجلؤون للعمل عبر شركاء إقليميين بهدف تحقيق أهدافنا بكلفة أقلّ.

خلال الشهر المنصرم صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن وجود "إسرائيل" في المنطقة أجبر الولايات المتحدة على التدخل هناك، تلك التصريحات كانت تحدد الهدف القيم الذي تسعى واشنطن لحمايته في المنطقة عبر تدخلاتها العسكرية والسياسية في محاولة لصنع حاضنة تحمي "إسرائيل" دون الحاجة لبقاء الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط، فخلال عقود بقائها في المنطقة تمكنت واشنطن من القضاء على أي تهديد إستراتيجي لوجود "إسرائيل" بإستثناء الأيديولوجيا الشعبية السنية وساهمت بشكل كبير في إنهاء حالة التفوق السني على إيران بإسقاط هيبة الدولة في العديد من بلدان العالم العربي وجعلت الأبواب مشرعة أمام التغول الإيراني في عدة دول مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن.

إن الانسحاب من سوريا قد يفتح الباب أمام الطموحات التركية للقضاء على ما تبقى من المليشيات اليسارية الكردية لكنها أيضاً قد تفتح باب مواجهة بين الأتراك والإيرانيين بصورة غير مباشرة تتمثل بمواجهة بين المعارضة السورية المدعومة من تركيا والمليشيات الشيعية المدعومة من إيران والنظام السوري وهي معركة قد تستمر طويلاً في ظل رغبة الطرفين

يقول جيفري فيلتمان، السفير الأمريكي السابق في الأمم المتحدة ووكيل الأمين العام، إن المنطقة لا تزال مهمة بالنسبة للولايات المتحدة لكنها ليست بنفس الأهمية قبل عشرين عاماً مضت، القضايا العربية كانت في قمة جدو لأعمالنا لكنها لم تعد كذلك، سوف تستمر العلاقات مع مصر ولا يزال لدينا عناصر عسكري في كل مكان سواء في العراق أو اليمن وهناك علاقة طويلة الأمد مع الأردن فنحن نريد الوصول التفضيلي لقناة السويس لكن ذلك ليس له أهمية رئيسية الآن.