وجود المتضادات أمر حتمي، فهناك الخير والشر، والحق والباطل، والمعروف والمنكر، والإيجابيات والسلبيات...والتعامل مع هذه المتضادات فن لا يحسنه كثير من الناس، فتعزيز جانب الإيجابيات وإزالة جانب السلبيات أو التقليل منها يحفظ الأفراد والمجتمعات ويحافظ على الاستقرار والأمن ،ومن تغابى في تعاملاته مع الجوانب السلبية أو الإيجابية فإنه سيعرض المجتمع بكل ما فيه للهاوية؛ لأن تجاهل الإيجابيات عند الناس وعدم تنميتها وتشجيع أصحابها يقتل المواهب ويعرقل طريق الإنتاج ويزيد من الاتكالية والسلبية...مما يدفع أصحاب المواهب إلى الهجرة من أوطانهم حتى يجدوا منفذا ومخرجا يستطيعون من خلاله تنمية هذه المواهب وإخراجها للنور 0

كما أن من تهاون في التعامل مع السلبيات فإنها ستؤدي حتما إلى زيادتها مما يلحق الضرر بالمجتمع، فالسلبية لا تضر صاحبها فقط وإنما ضررها على العامة، قال تعالى: }وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{ [الأنفال:25]، وقال – صلى الله عليه وسلم- في حديث السفينة:" فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا".[1]

من أجل ذلك وضع الإسلام منهجا في التعامل مع الإيجابيات والسلبيات وهو المكافأة على الحسنات والأعمال الحسنة، فالإسلام لا يضيع أجر من أحسن عملا، فكل ما يصدر من الإنسان يكافئ عليه، وقد بين القرآن الكريم ذلك في أكثر من موضع، يقول سبحانه: } مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً{ [النحل:97]،وقوله سبحانه:" إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً"[اكهف:107]،بل يكافئ الإنسان على مثقال الذرة، قال تعالى: }فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ{ [الزلزلة:7].

والمتأمل كذلك في السنة المطهرة يجد نفس المنهج في مكافأة الإنسان على كل أمر إيجابي يقوم به، سواء قولا أو فعلا ،يقول – صلى الله عليه وسلم- :" إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بضع أحدكم صدقة قالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".[2]

بل إن الإسلام يكافىء على النيات وعلى مجرد الهم بالعمل الإيجابي، ونجد ذلك في أكثر من حديث، يقول – صلى الله عليه وسلم- :" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه". [3] ،وقوله- صلى الله عليه وسلم-:" فيما يروى عن ربه عز وجل قال قال « إن الله كتب الحسنات والسيئات ، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة ، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة ، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة".[4]

بل غير المسلم إذا فعل شيئا إيجابيا فإن الإسلام يكافأوه عليه، فعم النبي- صلى الله عليه وسلم- بسبب أنه كان يدافع عن النبي-صلى الله عليه وسلم- فإن الله يخفف عنه العذاب يوم القيامة، والقرآن والسنة الصحيحة قد دلا على أن الكافر إن عمل عملاً صالحاً عليه في دار الدنيا خاصة بالرزق والعافية، ونحو ذلك ولا نصيب له في الآخرة،ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: } مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ{ [هود 15،16].

وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله لا يظلم مؤمناً حسنة يُعطي بها في الدنيا ويُجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيُطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا ،حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها".[5]

فهذا الحديث فيه التصريح بأن الكافر يجازى بحسناته في الدنيا فقط، وأن المؤمن يجازى بحسناته في الدنيا والآخرة معاً.

وكما وضع الإسلام منهجا في التعامل مع الإيجابيات، وضع-كذلك- منهجا في التعامل مع السلبيات والمنكرات؛ لأن إنكار المنكرات والقضاء على السلبيات واجب شرعي ،ولكن إنكار المنكر والتعامل مع السلبيات المحيطة بنا يحتاج إلى فقه نستطيع أن نسميه فقه التعامل مع المنكرات والسلبيات، هذا الفقه قد أجلى معالمه علماؤنا متأسين برسولنا –صلى الله عليه وسلم-،يقول ابن القيم:" إن النبي- صلى الله عليه وسلم - شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره وان كان الله يبغضه ويمقت أهله ".[6]

إن إنكار المنكر أربع درجات:

الأولى أن يزول ويخلفه ضده .

الثانية أن يقل وإن لم يزل بجملته.

الثالثة أن يخلفه ما هو مثله .

الرابعة أن يخلفه ما هو شر منه .

فالدرجتان الأوليان مشروعتان والثالثة موضع اجتهاد والرابعة محرمة ".[7]

إن غياب فقه التعامل مع الإيجابيات والمنكرات والسلبيات يفقد الأمة رشدها ويجعلها تتخبط في غياهب الظلمات، فتناسى الإيجابيات والتركيز على جانب السلبيات فقط يقلب موازين الحياة؛ وذلك لأن المتغافلين عن الجانب المضيء في حياة الإنسان قد هدموا نصف كيانه؛ ليشرع هو ذاته في هدم النصف الآخر؛لأن الجانب المضيء سيتحول إلى جانب مظلم، وساعتها سيهدم بعضنا بعضا ويتحول المجتمع إلى ركام أو ظلمات بعضها فوق بعض.


 


[1] البخاري – كتاب الشركة- باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه-.

[2] مسلم-كتاب الزكاة- باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف-.

[3] أخرجه البخاري-كتاب بدء الوحي-باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ،ومسلم -كتاب الإمارة -باب قوله صلى الله عليه و سلم إنما الأعمال بالنية-

[4] البخاري- كتاب الرقاق- باب من هم بحسنة أو بسيئة- ،ومسلم- كتاب الإيمان- باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب-.

[5] مسلم-كتاب صفة القيامة والجنة والنار - باب جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا-.

[6] إعلام الموقعين 3/ 13.

[7] المرجع السابق نفسه.