في مقالة بعنوان "لا يمكن تحمل ذلك: ماليزيا تواجه الرؤية الصينية"، تقول الكاتبة هانا بيش" في أكثر نقطة بحرية حيوية  في العالم تستثمر شركة الطاقة الصينية لبناء ميناء عميق يكفي لإستضافة حاملة طائرات، وتقوم شركة أخرى مملوكة للدولة بتجديد ميناء على طول بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه، وكذلك يقوم بنك حكومي بتمويل إنشاء شبكة سكة حديد قريبة من المكان لتسهيل وصول البضائع الصينية على طول طريق الحديد، وعلى مسافة ليست ببعيدة يقوم مستثمر صيني ببناء أربع جزر صناعية تكفي لاستضافة ثلاثة أرباع مليون شخص ويتم تسويقها على المواطنين الصينيين".  جميع المشاريع السابقة يتم تشييدها في ماليزيا التي تعد من أقوى الديمقراطيات في جنوب شرق آسيا وهي ضمن قلب الجهد الصيني للحصول على النفوذ العالمي.

يضيف المقال المنشور في صحيفة نيويورك تايمز، لكن ظاهرة ماليزية جديدة بدأت تحدث منذ تسلم رئيس الوزراء مهاتير محمد مقاليد السلطة، فمن وجهت نظره تعد المشاريع الصينية في بلاده  غير مجدية وستزيد تراكم الديون على الدولة بالإضافة إلى كونها مفيدة للمستثمرين الكبار ونفوذ الصين فقط.

في ختام زيارته الأخيرة للصين، قال مهاتير محمد إنه سيوقف مشروعين صينيين تبلغ قيمتهما 22 مليار دولار،  وسط إتهامات بأن حكومة سلفه نجيب عبد الرزاق وقعت إتفاقات سيئة مع الصين لإنقاذ صندوق استثمارات حكومي من الإنهيار واستمرار قبضته على الدولة.

 وفي كلمة لا لبس فيها خلال خطابه في قاعة الشعب العامة في بكين قال محمد :" لا نريد وضعاً يفرز حالة جديدة من الإستعمار لأن الدول الفقيرة غير قادرة على التنافس مع الدول الغنية".

استطاعت الصين خلال عهد نجيب عبد الرزاق الذي يحاكم بتهم تتعلق بالفساد والإختلاسات المالية ضمان توقيع صفقات ذات قيمة إستراتيجية لطموحها. لكن في مايو الماضي هزم عبد الرزاق في الانتخابات وخرج من السلطة مع سلة مليئة بالتهم تضم بعضها صفقات ضخمة مع الصين. تولى مهاتير محمد (93 عاما) السلطة مع مهمة صعبة تتضمن إخراج البلاد من أزمة ديون تصل لــ250 مليار دولار جزء منها للشركات الصينية.

تضيف الصحيفة" من سريلانكا وجيبوتي إلى ميانمار و الجبل الأسود، يوجد الكثير من متلقي الأموال الصينية ضمن مبادرة الحزام والطريق. إن الاستثمار الصيني يجلب معه تبعات غير مثيرة للشهية، بما فيها عمليات مزايدة مغلقة تؤدي إلى تضخم العقود وتراكم العمالة الصينية على حساب العمالة المحلية".

تنمو مخاوف لدى الكثيرين من أن الصين تستخدم فورة إنفاقها في الخارج للحصول على موطئ قدم في الأماكن الأكثر إستراتيجية في العالم،بل وتتعمد إغراء البلدان الفقيرة بفخ الديون لتزيد من سيطرتها مع تلاشي التأثير الأمريكي في العالم النامي.

يقول الخبير الاقتصادي الماليزي خور يو لينج:" الصين لديها رأس المال للعب لعبة طويلة. انتظر حتى يتجاوزوا أصحاب السلطة المحليين ثم يأخذوا كل شيء إلى الصين".

خلال زيارته للصين قال مهاتير محمد " الحديث يجري عن اقتراض الكثير من الأموال التي لا يمكن تحمل تكاليفها ولا يمكننا سدادها لأننا لا نحتاج لتلك المشاريع في ماليزيا".

وزير المالية الماليزي الجديد، ليم غوان إنج، أشار إلى تجربة سريلانكا السيئة مع المشاريع الصينية، حيث قامت شركة صينية ببناء ميناء عميق فشل في جذب مستثمرين مما أضطر الحكومة السريلانكية لتأجيره للصين لمدة 99 عاماً وتأجير المزيد من الأراضي بقربه الأمر الذي منح بكين موقعاً بالقرب أهم الممرات الاسيوية ازدحاماً.  يضيف ليم :" نحن لا نريد وضعاً مثل سريلانكا حيث لا نستطيع الدفع ثم ينتهي الأمر بإستيلاء الصينيين  على المشروع".  يقول مهاتير محمد عن استراتيجية الصين إنها تحاول توريط البلدان الفقيرة بالديون لأنها تعرف جيداً أن تلك البلدان لا تستطيع السداد وينتهي بها المطاف رهينة للنفوذ الصيني.

 لطالما بقت ماليزيا محط أنظار المستعمرين منذ عقود فقد مر بها الهولنديون والبرتغال والانجليز وفي آخر نسخة جاء الصينيين لأنها تتمتع بموقع بحري يربط بين المحيط الهادي والهندي وضمن الدول المتنازعة مع الصين على بحر الصين الجنوبي.

السيد مهاتير محمد لا يخشى مواجهة قوة عظمى مثل الصين فقد كان له تاريخ مع مثل هذه الأزمة ما بين عامي 1981 وحتى 2003 حينما وقف في وجه الولايات المتحدة والقوى الغربية و اتهمها بالوقوف في وجه الدول النامية.