صارت إيران بعد الفتح الإسلامي لها، في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (13 - 23هـ) رضي الله عنه، أرضا إسلامية، وجزءا غاليا وعزيزا، من عالم الإسلام الصاعد، كما صارت حلقة وصل بين قلب العالم الإسلامي، والمشرق كله، ونبغ من أهل إيران، في مختلف عصورها الإسلامية، آلاف العلماء المسلمين، في مجالات العلم المختلفة، كالحديث وعلومه، والتفسير، وعلوم القرآن، والفقه وأصوله، والتاريخ، واللغة، والطب، والجغرافيا، وغيرها من العلوم، ويكفي أن تذكر اسم مدينة إيرانية، مثل نيسابور، وجرجان، وأصفهان، وشيراز، وطوس، وسجستان، وطبرستان، والري، وقزوين، وسرخس، وسمعان، وأصطخر، وبلخ، وغيرها، لتتداعى إلى ذاكرتك، أسماء العديد من العلماء المنسوبين إلى تلك المدن، والذين امتازوا بسعة العلم والثقافة، وتنوع المعارف، وخصوبة الفكر، وظلت حواضر إيران الكبرى، موئلا للعلم، ومراكز للإشعاع الحضاري والفكري، ترفرف فوق صروحها راية الإسلام، بفهم أهل السنة والجماعة، لمدة تسعة قرون، أي منذ الفتح الإسلامي لها في عهد الفاروق، وحتى قيام الدولة الصفوية فوق ترابها، عام 907هـ/ 1502. وقد كان قيام الدولة الصفوية، في إيران، والتي خرجت من رحم إحدى الطرق الصوفية في أردبيل، ومن ثم، إعلان المذهب الشيعي مذهبا رسميا، ووحيدا للدولة، وفرضه على الناس بالحديد والنار، كان كارثة كبرى، ومصيبة عظمى، للإسلام وأهله، ولإيران ذاتها، لاسيما، وأن الدولة الصفوية، اتبعت، سياسة منظمة، لطمس الهوية السنية، في موازاة نشر التشيع الأثنى عشري، المصطبغ بكثير من الطقوس والعادات المجوسية، واليهودية، والنصرانية، والهندوسية.

ومهما كان من أمر، فقد ترتب على تغلب الشيعة الأثنى عشرية على إيران، منذ قيام الدولة الصفوية، وحتى اليوم، نتائج عديدة، بعيدة المدى، وغاية في الخطورة، من أبرزها ما يلي:

أولا: فصم عرى الوحدة الإسلامية الروحية والمعنوية

فلأول مرة في تاريخ الإسلام، تصير هناك حواجز نفسية ومعنوية بين المسلمين، فبلاد الإسلام، كانت دائما وحدة واحدة، وظلت الروابط الاجتماعية، والثقافية، والعلمية، قائمة بين المسلمين، حتى في ظل الإمارات المستقلة، التي تقاسمت البلاد الإسلامية، بعد أن ضعفت الخلافة العباسية، وتناوشتها السيوف، ويُقال الشيء نفسه عن العلاقات التجارية، والاقتصادية، والمالية، فقد بقيت الحدود مفتوحة لجميع المسلمين، على اختلاف أوطانهم، ومذاهبهم، وألوانهم، وكان المسلم يذرع البلدان الإسلامية طولا وعرضا، من فرغانة في أقصى الشرق، إلى قرطبة في أقصى الغرب، دون أية قيود أو حواجز أو سدود، وكان المسلم يعمل، ويتعلم، ويُعلِّم، ويمارس التجارة، أينما حل، بكل حرية، ودون أن يشعر أنه غريب، فبلاد الإسلام كلها وطنه، وأهلها كلهم أهله، دينهم دينه، ولغتهم لغته، ولم يتغير هذا الحال، إلا بعد قيام الدولة الصفوية، في مطلع القرن العاشر الهجري، وبالتالي، غلبة الشيعة الاثنى عشرية على إيران.

ثانيا: فصل قلب العالم الإسلامي عن مشرقه

فقد كانت إيران، كما هو معروف، هي حلقة الوصل بين قلب العالم الإسلامي، المتمثل في الجزيرة العربية، والشام، والعراق، ومصر، وبين مشرق العالم الإسلامي، وخاصة بلدان ما وراء النهر، أو آسيا الوسطى، كما صارت تدعى حاليا، وعندما تغلّب الشيعة الاثنى عشرية، على إيران، انقطعت تلك الصلة تماما، لكون إيران، أصبحت حاجزا طبيعيا بينهما، ودولة عدوه للإسلام وأهله، وقد أدى هذا الانفصال إلى إضعاف المسلمين في المشرق الإسلامي، واندثار التعليم بالعربية تماما، في حواضر بلدانهم، تلك البلدان التي أصبحت أيضا، فريسة سهلة للغزاة المعتدين، لذلك لم تثبت الصين أن وثبت على تركستان الشرقية، ولم تلبث روسيا القيصرية، أن وثبت على بخارى، وسمرقند، وطاجيكستان، والقوقاز، ولم تلبث بريطانيا، أن وثبت على الهند.

ثالثا: خروج الشيعة الأثنى عشرية من التقية

أعني في البلدان الإسلامية، التي كانت تتواجد فيها أقليات شيعية اثنى عشرية، وذلك لأول مرة في تاريخهم، وبالتالي، حدوث اضطرابات واسعة في العراق، وهضبة الأناضول، وشرقي الجزيرة العربية، واليمن وغيرها، كون هذه الأقليات الشيعية، أصبحت مثيرة للشغب والقلاقل والفتن، في هذه البلدان، بتحريض الصفويين، وذلك بعد أن كانت تلك الأقليات، أشبه بنفايات مركومة بجوار القبور والأضرحة، وبعد أن كانت مراكز التشيع في النجف وكربلاء والإحساء، تعيش خارج الزمن والتاريخ، ويلفها غبار القرون. وهذا الأمر قد استفحل بعد قيام الثورة الخمينية عام 1979، لدرجة وصلت إلى إثارة الشغب والفوضى، في ساحة بيت الله الحرام، في موسم الحج المبارك، وإرهاب ضيوف الرحمن، من الحجاج الآمنين، وإراقة دمائهم، وكل ذلك حدث بتحريض وتدبير آيات قم وطهران، والذين جعلوا "تصدير الثورة"، أي تصدير عقائد وطقوس الشيعة الاثنى عشرية الشركية، وأيضا تصدير بذور الشر والفوضى والعنف، إلى بقية البلدان الإسلامية، شعارا لثورتهم الرافضية تلك، والتي تم اتخاذ القرار بتفجيرها في دهاليز المخابرات الصهيونية والغربية.

رابعا: تغيير الإستراتيجية العسكرية للدولة العثمانية

فقد كانت استرتيجية السلاطين العثمانيين العسكرية، قبل قيام الدولة الصفوية، هي توجيه جيوشهم وقوتهم العسكرية غربا، لفتح بلدان شرقي أوروبا، وكانوا يواصلون الفتوح في هذه الجهة، ببأسٍ شديدٍ، وقوة لا تُردع، ولكن بعد أن تغلب الشيعة الصفويون على إيران، وإثارتهم للفتن المزلزلة، في الأراضي العثمانية، ومحاولتهم هدم الدولة العثمانية، من داخلها، قام السلطان سليم الأول (1512-1518)، بتغيير تلك الإستراتيجية، وذلك بتوجيه الجيوش العثمانية شرقا، لمواجهة الخطر الشيعي المتزايد في إيران، وبالتالي، حماية ظهر الدولة العثمانية، من خناجر الشيعة المسمومة، وبعد أن انتصر العثمانيون على الصفويين في معركة جالديران عام 1514، توجوا هذا الانتصار بضم الشام ومصر والحجاز، إلى دولتهم الصاعدة، فكان ظهور الصفويين، بالتالي، بمثابة هدية سماوية لأوروبا، أنقذتها من السقوط، بأيدي العثمانيين المسلمين.

خامسا: سيطرة الجمود على العالم الإسلامي

وذلك نتيجة لما استنزفته الحروب المذهبية الطويلة بين العثمانيين والشيعة الصفويين، من جهود وإمكانات بشرية ومادية، وذلك على حساب المجالات العلمية، والحضارية، بل حتى على حساب العقيدة، فكل هذه المجالات راحت تتدهور شيئا فشيئا، ولم ينته القرن الثامن عشر إلا وقد عم الجمود مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وذلك في الوقت التي راحت فيه أوروبا، التي أفلتت من الفتح العثماني، بفضل الصفويين، تسير بقوة في طريق النهوض والتقدم، وتتسابق فيما بينها، لأجل ترسيخ أقدامها في البحار والمحيطات، وذلك قبل التحرك لغزو بلاد المسلمين واحتلالها، بما في ذلك فرض نظمها وقوانينها نموذجها في التحديث عليها، وذلك على حساب النظم والقوانين الإسلامية، وعلى حساب النموذج الإسلامي. وقد كانت ردة الفعل على ذلك إصلاحية، تمثلت في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب التوحيدية السلفية في جزيرة العرب، والتي لا تزال، حتى اليوم، قلعة اعتصام المسلمين العتيدة، العصية على الاختراق، رغم الحرب الشديدة عليها، من قبل أهل الشرك، والمستمرة منذ 270 سنة. علما بأن هذه الحرب قد استفحلت منذ هجمات سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن.      

سادسا: تفريغ المجتمع الإيراني من عقله

أي من العلماء العاملين، والرجال الفاعلين، والقادة المؤثرين، ومن ثم، تحويل الشعب الإيراني الذكي والنابه، إلى شعب متعصب دينيا، وحاد المزاج، وجامد الفكر، ومتقوقع على نفسه، ومدمنٍ على جلد ذاته، ومعادٍ لكل ما هو مسلم وعربي، وصارت ثقافته عبارة عن ترسانة من الأوهام، والخرافات، والأساطير، وصار النفاق حالة عامة لديه، وصار يشكل القسم الأصلي، من ثقافته في الوقت الحاضر، وأصبح هذا الشعب، ألعوبة في أيدي الأشرار وشياطين الأنس، من المراجع والآيات العظمى، الذين يدعون النسبة لآل البيت، وأهل البيت منهم براء، وأصبحت إيران بلدا منعزلا، متخلفا عن ركب الحضارة، وبلا تأثير، اللهم إلا في مجال غسل الأدمغة، وتدبير الدسائس والمؤامرات، في بلدان المسلمين، كما أصبح حكامها، رمزا للخيانة وللمتحالفين مع الأعداء، ضد الإسلام وأهله. فكان قيام الدولة الصفوية في إيران، لطمة قوية جدا توجه لها، ثم كانت الثورة الخمينية عام 1979، لطمة ثانية، أشد وأقسى، ولما تستفيق إيران منهما حتى الآن. دون أن يعني هذا، بالضرورة، أن بقية الشعوب الإسلامية، تنعم بالحرية، أو أنها تعيش أسعد لحظاتها الحضارية، في ظل أنظمة سايكس بيكو، الحالية، ودون أن يعني ذلك أيضا، أن هذه الأنظمة أنظمة صالحة، وأنها تسير طبقا للكتاب والسنة، إلا من عصم!  

***