كانت الانتخابات الأمريكية الأخيرة متابعة في منطقة الشرق الأوسط بشغف ربما أكثر من المواطنين الأمريكيين أنفسهم ليس بدافع الوعي السياسي أو الفضول وإنما لمعرفة مصير المنطقة الذي يتغير بقرارات صانع القرار الأمريكي، وذلك ليس غريباً في ظل إستمرار المنطقة في الخضوع للوصاية الغربية منذ رحيل الإستعمار منتصف القرن التاسع عشر.

احتفل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يمثل ظاهرة مؤقتة وغريبة في السياسة الأمريكية بفوز الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ كونه احتفظ بأغلبية المقاعد في الغرفة التي توافق أو ترفض على تعيينات كبار المسؤولين والوزراء والقضاة وكبار قادة الجيش في الإمبراطورية الأمريكية، وهذا الأمر يضمن له البقاء في سياساته حتى نهاية ولايته الرئاسية عام 2020. لكن لسوء حظه فقد خسر ترامب معركته مع الديمقراطيين في مجلس النواب وهو الغرفة الأكثر نفوذا بشأن التشريعات والقوانين وكذلك أعمال اللجان بما فيها الخارجية والاستخبارات والجيش وهنا كما يقال "الشيطان يكمن في التفاصيل".  

من المرتقب أن يمارس أعضاء الحزب الديمقراطي أعمالهم في المجلس مطلع العام الجاري، وهو الوقت الذي من المرتقب أن يعلن المحقق روبرت مولر نتائج تحقيقه في ملف التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية عام 2016. وهو التحقيق الأبرز بشأن قضية من سلسلة قضايا تورط فيها ترامب والمحيطين به قد تشغل مجلس النواب الأمريكي والبيت البيضاوي لمدة عامين سينشغل فيها الديمقراطيين بإسقاط ترامب أمام الرأي العام الأمريكي والبحث عن شخصية قيادية تتزعمهم للفوز في الانتخابات المقررة عام 2020.

من المؤكد أن السنتين المقبلتين في السياسة الأمريكية أنها ستغرق في الشؤون المحلية بعيداً عن الملفات الخارجية، لأنها على الأرجح ستكون بالنسبة للحزب الديمقراطي سنوات " الثأر" وتنفيذ وعوده الانتخابية بشأن مشاريع قوانين محلية مثل الرعاية الصحية والأجور والذي بدوره سيحاول عرقلتها ترامب. بالإضافة إلى جلسات إستماع للمتورطين في أنشطة إقتصادية غير مشروعة لترامب وفريقه مثل قضية المدير السابق لحملة ترامب الانتخابية، بول مانافورت، والذي اتهم مؤخراً بالكذب على الشرطة الفدرالية.

ونظراً إلى ما نعرفه عن شخصية ترامب، من المرجّح أن يفجّر ذلك سلسلة من ردود الفعل البركانية من جانب المكتب البيضاوي، أي أننا سنشهد المزيد من النوبات الانفعالية والمؤتمرات الصحافية العدائية. ستكون المعركة طاحنة وبشعة وسيطول أمدها، وربما أسوأ من أي شيء رأيناه خلال السنتين الماضيتين. سيواجه ترامب، لأول مرة، معارضة حقيقية ومؤسسية. فقد صرح المحقق مولر سابقاً بأنه قد يصدر مذكرة استدعاء للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشهادة بشأن ملف التدخل الروسي. كذلك سينشغل الحزب الديمقراطي في ملفات أكثر أهمية من منطقة الشرق الأوسط المنشغلة بصراعاتها الداخلية أصلاً، مثل ملف الصراع التجاري مع الصين و الضغط الذي يمارسه ترامب على الاتحاد الأوروبي على خلفية موازنة حلف " الناتو" بالإضافة إلى الحرب التي تستعد لها روسيا في أوكرانيا.

لذلك أفضل التوقعات تشير إلى أن السياسة الأمريكية ستدير ضهرها للمنطقة بإستثناء محاولة معالجة الملف الإيراني بما يحافظ على مصالح الكيان الصهيوني الأمنية، واستمرارية الشراكة الإيراني الأمريكي في الملف العراقي. ووفقاً لتعبير المحرر في مجلة النيويوركر، ديكستر فيلكينز، فريق ترامب وصل إلى مكتبه  وفي جعبته مخططات كبرى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، في المقام الأول من خلال عزل النظام الإيراني والتوصّل إلى صفقة غير مرضية للفلسطينيين، وإنهاء الازمة في سوريا، وحل معضلة أفغانستان و التصدي للنفوذ الصيني والروسي، واستنزاف حلفائه مادياً، إلا أنه بعد فوز الديمقراطيين لا يمتلك الوقت لكل ذلك هو وصهره جاريد كوشنر بل على الأرجح سيصبح كالثور المصاب في حلبة مصارعة.

لذلك يجب ترقب خطوات الكونغرس الأمريكي حالياً أكثر من قرارات الرئيس الأمريكي، فعلى الأرجح ستتغير سياسات المجلس اتجاه الحكومة الصهيونية كونها تجاهلت الديمقراطيين في عهد ترامب ووضعت بيضها كله في سلة الانجيليين خلال الفترة السابقة، فقد انتقد ثلاثة أعضاء جدد الكيان الصهيوني على نحو صريح، وهم ألكساندريا أوكازيو-كورتيس، وإلهان عمر، ورشيدة طليب. إذن، الكونغرس الجديد أكثر اطّلاعاً من السابق، ولاسيما أن بعض الأعضاء الجدد هم خبراء مخضرمين في السياسة الخارجية – أبرزهم توم مالينووسكي، المساعد السابق لوزير الخارجية الأميركية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل.

كذلك فإن مصر التي لم تكن بارزة على جدول أعمال الجمهوريين قد تطفوا أخبارها إلى السطح في مجلس النواب ذو الأغلبية الديمقراطية.

هناك عدة ملفات مهمة بالنسبة للديمقراطيين المطلوب منهم معالجتها بطريقة مختلفة كان قد حدد خطوط عريضة لها ترامب، أبرز تلك الملفا النفوذ الروسي في سوريا والتواجد الأمريكي هناك وملف العقوبات على إيران وملف انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وهو بداية مشروع تفكك للاتحاد الذي يعد الشريك الأبرز للولايات المتحدة الأمريكية ضد النفوذ الروسي.

لذلك هلى الأرجح لن تضطر الولايات المتحدة الأمريكية للإلتفات للشرق الأوسط إلا في حالات نادرة تشبه حرب أكتوبر عام 1973م وهي حرب حددت ملامح النفوذ الأمريكي في المنطقة.