منذ إندلاع الثورة التي أطاحت بالزعيم الليبي معمر القذافي عام 2011، غالباً ما كان التدخل الأجنبي هو العامل الحاسم في تحديد مسار الصراع بين القوى الليبية وهذا الأمر جعل تلك القوى عديمة التأثير في تحقيق التصالح والإستقرار داخل البلاد بسبب رفضها التنازل لبعضها البعض. خلال العام الماضي خرج الجهد الإيطالي والفرنسي إلى العلن لما حاول الطرفان إخراج مسرحية سياسية تناسب مصالح كلاً منهما، وفي إطار تنافسي عقد في فرنسا لقاءات تصالحية بين رئيس الحكومة فايز السراج والقائد العسكري خليفة حفتر خلال الصيف الماضي على أمل أن يتم إجراء انتخابات في ديسمبر المقبل، لكن ذلك كان بمثابة إشارة لإفشال خطوات تقوم بها الأمم المتحدة في نفس الإتجاه، لكن إيطاليا ونظراً لإختلاف مصالحها وتاريخها في ليبيا رفضت المؤتمر الباريسي وأعلنت تنظيمها مؤتمر آخر خلال نوفمبر لغاية مصالحة الليبيين.

بالتزامن مع ذلك استحدثت الحكومة الإيطالية اليمينية سياسيات جديدة بشأن التصدي لظاهرة الهجرة الغير شرعية عن طريق البحر المتوسط، وكانت أولى الخطوات في هذا الإتجاه رفض استقبال سفن اللاجئين الأمر الذي تسبب في تراكم مئات الآلاف من اللاجئين على الشواطئ الليبية بالإضافة إلى زيادة أعداد ضحايا حوادث الغرق. تأتي الخطوة الإيطالية ضمن التنافس الفرنسي الإيطالي على مستقبل ملف الهجرة في  أوروبا، ومسألة ما إذا كانت باريس أو روما يجب أن تكون الصوت الدولي الرئيسي في الشؤون الليبية.

هناك فرصة ذهبية أمام إيطاليا لمساعدة الليبيين في تنظيم انتخابات مقبلة وترتيب وضع أمني دائم، لكن كل ذلك لن ينجح في حال اختارت روما تجاهل غسان سلامة ممبعوث الأمم المتحدة في ليبيا، وإعلان مقاتلة الفرنسيين علناً في ليبيا، في محاولة تثبيت قواعد للسيطرة على تدفق المهاجرين إلى الشواطئ الإيطالية.

لطالما كانت ليبيا مهمة لإيطاليا فقد كانت أحد مستعمراتها القديمة وأكبر مصدر للغاز والنفط وكذلك مصدر رئيسي للهجرة الغير شرعية إلى أوروبا، لذلك أولت روما ليبيا الاهتمام الكبير عقب عام 2014 للتخفيف من العبئ عليها.

الحكومة الإيطالية الحالية هي إئتلاف شعبوي يميني مكون من حركة الخمس نجوم اليسيارية، والرابطة اليمينية التي تسلمت الحكم في يونيو الماضي، وقد دعمت الحكومة قرار وزير الداخلية ماتيو سالفيني بشأن منع استقبال قوارب اللاجئين بما في ذلك السفن الإنسانية لحين وجود إتفاق أوروبي على توزيع اللاجئين بشكل عادل بينها، وبسبب تلك الخطوة بدأت تزداد حالات الغرق في البحر المتوسط حيث يسجل غرق 8 حالات يومياً.

ليبيا حالياً تأوي 650 ألف مهاجر وفي ظل رفض إيطاليا إستقبالهم ستزداد الأمور صعوبة هناك ويبقى هؤلاء عرضة لكافة أنواع الإستغلال، وتقوم إيطاليا حالياً بتمويل حرس الحدود الليبي وحراسة طرق التهريب للحد من الظاهرة.

من أجل تأمين مصالحها سعت روما للإستيلاء على المبادرة الفرنسية الدبلوماسية حينما زار رئيس الوزراء الإيطالي جيوسيبي كونتي في يوليو البيت الأبيض وأعلن من هناك عقد مؤتمر خاص بليبيا في 12-13 نوفمبر في مدينية باليرمو. وأشاد ترامب بالحكومة الإيطالية وأقر "بالدور القيادي لإيطاليا في تحقيق الاستقرار في ليبيا وشمال إفريقيا". كان التصريح الأمريكي بمثابة دعم لكونتي الذي يحاول إزاحة فرنسا من الواجهة الليبية التي وضعت إتفاق ينص على إجراء انتخابات وترتيب الوضع الأمني وإعداد الدستور بحلول ديسمبر لكنه فشل. لا يوجد شك من أن الصرع الإيطالي الفرنسي في ليبيا يتعلق بمصالح الطرفين فقط، فإيطاليا التي تدعم حكومة فايز السراج لديها أولوية لمحاربة ظاهرة الهجرة المنطلقة من السواحل بالإضافة إلى ضمان إستمرار بقاء شركاتها العاملة في حقول النفط والغاز الليبية بالإضافة إلى الحفاظ على وارداتها منها. أما بالنسبة لفرنسا التي تدعم خليفة حفتر فهي ترى فيه منفعة كبيرة توفر حماية لمناطق سيطرتها ومصالحها في منطقة الساحل التي تنشر فيها 4500 جندي فرنسي، من خلال الوقوف في وجه الجماعات الإسلامية في جنوب وشرق ليبيا.

الصراع الفرنسي الإيطالي في أوروبا يحركه السياسية وليس المصالح المتباينة في ليبيا، فماكرون يعتبر الحكومة الشعبوية الإيطالية في مواجهة القيم الليبرالية الأوروبية ففي خطاب ألقاه في 21 يونيو، شبه ماكرون انتشار الشعوبية بـ "الجذام" وحذر الأوروبيين من أولئك الذين "يكرهون أوروبا" - وهي إشارة مبطنة إلى الحكومة الإيطالية.

وفقاً لمجلة "فورن آفير" فإن مؤتمر باليرمو الإيطالي قد ينجح في تحقيق السلام في ليبيا في حال دعمت إيطاليا الجهود التي تحركها الأمم المتحدة بزعامة غسان سلامة، ولكن فقط إذا كان كونتي وسلفيني سيرفعان دور الأمم المتحدة ويقللان من الصراع مع ماكرون على حساب الليبيين.

تضيف المجلة بأن دور الولايات المتحدة لا يجب أن يقتصر على دعم طرف على حساب آخر بل يجب أن يهدف إلى إخراج القوى الإقليمية من ليبيا، وعلى سبيل المثال عندما استولت قوات حفتر على بعض الإحتياطي النفطي وهدد ببيعه بعيداً عن شركة النفط الليبية، حذرته الولايات المتحدة من أن تلك المبيعات تنتهك قرارات الأمم المتحدة وستفرض عقوبات على المشترين، تراجع حفتر وعزز ذلك من قوة الأمم المتحدة في ليبيا. لذلك هناك مساحة عمل سياسي كبيرة يمكن أن تكون بديلاً عن الساحتين الفرنسية والإيطالية سواء على صعيد الرهان على القوى الليبية الداخلية وتصالحها مع بعضها البعض أو قيام أطراف عربية بدور نزيه ينزع فتيل الازمة.