ربما كان مفاجئا لغير المتابعين للمشهد السياسي التونسي موقف رئيس الجمهورية الرافض للتعديل الوزاري الذي أعلن عنه رئيس الحكومة يوسف الشاهد، غير أن المسألة هي في جوهرها ليست إلا فصلا جديدا من الصراع بين الرئاستين من جهة وتصفية حسابات بين أجنحة نداء تونس الحزب الحاكم من جهة أخرى.

ذلك أن خطوات يوسف الشاهد بدت متسارعة نحو حسم الصراع مع باقي أطراف الحزب الذي صعد على أنقاضه وليتحول بعدها الى منطق الخصومة وصولا الى محاولة وراثة الموقع السياسي لحزبه السابق في المشهد الحزبي التونسي.

فمن ناحية لم يقم رئيس الحكومة باستشارة رئيس الجمهورية في طبيعة التعديلات التي أجراها على حكومته واكتفى بمجرد إعلامه بالخطوة التي اتخذها بشكل جعل رئاسة الجمهورية الطرف الأقل أهمية في المعادلة السياسية الرسمية ورغم أن الدستور التونسي يمنح الصلاحيات التنفيذية وبشكل شبه تام لرئيس الحكومة إلا فيما يتعلق بمنصبي وزير الخارجية ووزير الدفاع إلا أن المعتاد بعد الثورة أن أي تعديلات حكومية تتم من خلال مشاورات يرعاها رئيس الدولة، وكان من الممكن تفهّم خطوات رئيس الحكومة الحالي لو كانت تقوم على معادلة تعايش بين حزبين احدهما في موقع رئاسة الجمهورية والآخر في رئاسة الحكومة إلا أن الوضعية الحالية تنبئ بمشكل حقيقي ذلك أن رئيس الجمهورية هو الذي جاء برئيس الحكومة الحالي الى قصر الحكومة وكان مبرره وقتها أن رئيس الحكومة المقال الحبيب الصيد يحاول التصرف بصورة مستقلة عن الرئيس وحزب نداء تونس الذي جاء به الى السلطة.

اليوم يتصرف يوسف الشاهد خارج إرادة رئيس الجمهورية بل ويتعامل معه باعتباره مجرد طرف في إدارة الدولة دون أن يمنحه الفرصة للتصرف انطلاقا من موقعه كرئيس جمهورية ورئيس حزب الأغلبية المفترضة في البرلمان والحكومة، لقد كان مشهدا ساخرا بالفعل أن يظهر رئيس الجمهورية وكأنه ينتمي الى المعارضة من خلال رفضه للتعديلات الحكومية.

أما حزب نداء تونس فمن الواضح انه فقد ادني تأثير على دواليب التسيير الحكومي ورغم انتماء رئيس الحكومة الحالي وغالبية الوزراء إليه على الأقل من الناحية النظرية إلا انه واقعيا أصبح حزبا يتصرف بمنطق المعارضة وخصما للسلطة الحالية وهو ما تجلى في جملة المواقف التي اتخذتها قيادة هذا الحزب بداية من وصف التعديل الحكومي بأنه شبيه بانقلاب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي في 7 نوفمبر 1987 مرورا بالدعوة الى عدم منح الثقة للوزراء الجدد في البرلمان ووصولا الى الدعوة الى انتخابات مبكرة في صورة إصرار رئيس الحكومة الحالية على خياراته. ورغم هذه التصريحات النارية فإن كل مراقب موضوعي يدرك أن التعديلات الحكومية ستمر من خلال الحلف النيابي الأغلبي الذي يضم نواب حركة النهضة (التي أصبحت الكتلة الأكبر بعد تمزق نداء تونس) وكتلة الائتلاف الوطني الموالي لرئيس الحكومة والذي يحل ثانيا من حيث حجم كتلته النيابية.

وتكشف التعديلات الجديدة التي لحقت بالحكومة الثامنة بعد الثورة أن يوسف الشاهد يسعى الى تثبيت موقعه السياسي تحضيرا للانتخابات القادمة والتي يبدو انه يسعى الى الفوز بها والعودة الى قصر الحكومة من جديد، وتظهر الاستعدادات السياسية لرئيس الحكومة الحالي في جانبين أولهما سعيه الى تجميع أكثر ما يمكن من النواب والوجوه السياسية الى جانبه خاصة ممن كانوا ينتمون الى الدوائر السلطوية القديمة وهو ما يتجلى في إعادة توزير كمال مرجان الذي شغل منصب وزير الخارجية زمن نظام بن علي لردح من الزمن، وفي ذات السياق تأتي خطوة تعيين روني طرابلسي (وهو من يهود تونس) لكسب مزيد من ثقة أطراف خارجية وإقناعها أن الحكومة الحالية لديها توجهات تحمي التنوع الديني وتمنح حقوقا للأقليات ورغم أن موضوع يهودية الرجل ليست ذات أهمية في تقييم نجاح وزير ما أو فشله إلا أن الشخصية التي تم تعيينها معروف بكونه رجل أعمال يستثمر في المجال السياحي وصاحب علاقات دولية واسعة خاصة في فرنسا كما  لا يخفى احتفاء وسائل إعلام إسرائيلية بالحدث واعتباره انجازا مهما.

لقد أعاد يوسف الشاهد خلط الأوراق في المشهد السياسي على الأقل من حيث العلاقة برئاسة الجمهورية أو سعيه الى الإجهاز على حزبه السابق نداء تونس ورغم كل هذه الخطوات فلا يمكن الجزم انه سينجح في تحقيق فوز كبير في الانتخابات المقبلة بالنظر الى فشل حكومته في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الحادة وارتفاع نسبة سخط الجيل الجديد على الطبقة السياسية الحاكمة وهو ما يعني أن تقلبات المشهد الحزبي التونسي ونتائج أي انتخابات مقبلة مفتوحة على احتمالات شتى لا يمكن توقعها بشكل قاطع فلا ثوابت حزبية في المشهد السياسي لتونس ما بعد الثورة.