الشباب وقود الحضارات وصناع الأمل وبناة المستقبل، ولو راجعنا مسار الحضارات كلها لوجدنا الشباب في القمة الهرمية عملا وجهدا وتضحية؛ لذا إذا ضاعت المرحلة الشبابية دون عطاء وعمل فإن ذلك سيؤدي إلى حرمان الأمة من هذه الطاقات التي دائما تغيير المسار الحضاري ،والمهم الآن كيف نعد شبابنا إعداد قويا لنحي ونجدد المسار الحضاري لأمتنا.

كيفية إعداد الشباب المسلم لتجديد المسار الحضاري:

ما أسهل أن يكتب الإنسان مقالا، أو أن يلقي خطبة ومحاضرة، أو يؤلف كتابا..، أو يبني بناء، أو يصمم جهازا ويخترع آلة...ولكن ما أصعب أن يتعامل مع النفوس البشرية بتركيباتها المختلفة، كيف يرتفع بها ويرقى بها في سلم الكمال والعطاء والشموخ، ويجنبها مواطن الزلل والقصور؟ هذا الدور الصعب قام به الإسلام وحول رعاة الغنم إلى قادة، وكان التركيز الأهم في عملية الإعداد هم النشء والجيل الصاعد الذي على أكتافه وبعرقه تبنى الحضارات وتتقدم الأمم..، واعتمد الإسلام عدة وسائل لإعداد الشباب، من هذه الوسائل:

1-لفت أنظار الشباب المسلم إلى أهمية وقيمة المرحلة الشبابية:

الكل يعرف قيمة الشباب، ولكن للأسف أكثر الشباب لا يعرف قيمته، فهناك ثلاثة أشياء غير قابلة للرجوع ولا للاستثناء: العمر ،فإذا ذهبت مرحلة من مراحله لا يمكن استرجاعها، والكلمات التي تخرج من الإنسان،فهو يملكها قبل أن تخرج فإذا خرجت ملكته، والفرصة ،فإن الفرصة إذا لم يغتنمها الإنسان اغتناما سليما وصحيحا وسريعا فإنه يخسر رصيدا كبيرا من حياته، ومرحلة الشباب غنيمة لا تعوض ونعمة من الله لا يعرف قيمتها كثير من الناس، قال صلى الله عليه وسلم:" نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ".[1]،والله سألك عن هذه النعمة:" لا تزول قدم بن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن أربع عمره فيما أفناه وعن جسده فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وعن علمه ما عمل فيه".[2]، وعندما يعرف الشباب قيمته وهدفه ساعتها سيبني الأمجاد ويصنع الحضارات:  }نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى{ [ الكهف:13].

2- بناء الشباب إيمانيا وأخلاقيا:

كما قلنا من قبل إن البناء الإنساني أمر شاق ويحتاج إلى صبر ونفس طويل، وكل مرحلة من مراحل عمر الإنسان تحتاج إلى معاملة خاصة ،ومرحلة الشباب بالذات تحتاج إلى حكمة ،ويجب البدء دائما في كل مجال من مجالات البناء بالأهم، وأهم ما يجب علينا في إعداد الشباب لتحمل المسئولية والنهوض بالوطن والأمة  اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وعلميا وثقافيا وحضاريا هو إعداده إيمانيا وأخلاقيا، لأن شابا واحدا تحسن الأمة إعداده إيمانيا وأخلاقيا يغير مسار التاريخ ويحفر لأمته فيه مجدا تليدا، والتاريخ ينطق بهذا، فالغلام الذي أعده الراهب  إيمانيا استطاع أن يغير الأفكار والعقائد الفاسدة التي رسخها الملك في نفوس الناس، وكان سببا في أن قال الناس جميعا: "آمنا برب الغلام".

ولقد رأينا كيف أثمر البناء الإيماني وصنع لنا رجالا ،يعانقون الموت فداء للدين والرسول صلى الله عليه وسلم،ودفاعا عن العقيدة والوطن، حيث قدم علي بن أبي طالب – رضي الله عنه- روحه في مشهد إيماني رائع ومذهل تفوح منه رائحة الثباث ورسوخ العقيدة حين نام مكان النبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلم بمطاردة المشركين له، وهناك نماذج  كثيرة مشرفة ملأت سجلات التاريخ ،ولكن هذا  فيض من غيض.

3 - بناء الشباب فكريا وثقافيا:

الصراعات الدائرة على جميع الأصعدة في مختلف البلاد صراعات فكرية بالدرجة الأولى ،وما يصدر للعالم الإسلامي والعربي من أفكار وثقافات وأزمات إنما هدفه إخضاع العالم كله لفكر واحد يخدم الفكر الصهيوأمريكي ،فقد رحل الاحتلال من بعض البلاد الإسلامية والعربية بجسده وبقي فكره وعقله ،وكان التركيز الأكبر على الشباب المسلم صاحب القوة والنشاط والحماس الزائد، هذا الحماس وهذه القوة يحتاجان إلى ترشيد وتوجيه وحكمة، وهذه الحكمة لا يتحصل عليها إلا عن طريق خبرات السابقين، مع تجديد في وسائل التفاعل الخضاري وفق الواقع الذي يفرض تعاملات بآليات مختلفة مع كل حدث، فلكل حادثة حديث، وما يطبق في وقت ومناسبة معينة قد لا نستطيع تطبيقه في واقعة أخرى مماثلة لها، فالأحداث تتجدد وتتغير بطريقة سريعة مما يستوجب علينا إعداد الأجيال فكريا وثقافيا كي ننهض بأمتنا ونجدد مسارها الحضاري.

4- طرح القدوة الحسنة للشباب :

أصحبنا وأمسينا ونحن نتغنى بأمجاد من قد سبق ،وحق علينا أن نفخر بهم ونتذكرهم؛ لأنهم قدوتنا، ولكن ليس من حقنا أن نظل متطفلين عليهم دون الاقتداء الحقيقي بهم والسعي في إكمال البناء الحضاري الذي وضع أسلافنا حجر الأساس له.

إن الله قد ميز هذه الأمة بميزة فريدة لم تتحصل عليها أي أمة – لا قبلنا ولا بعدنا- هذه الميزة هي أن الله اختار لها قدوة عالمية وضع فيها كل مقومات الكمال الخلقي والخلقي: "وإنك لعلى خلق" وطرح هذه القدوة على أمة الحبيب صلى الله عليه وسلم من أجل الاقتداء به والسير على نهجه وفتح باب التواصل الحميم مع سنته وهديه:  }لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا { [الأحزاب:21]،وسجل التاريخ الإسلامي ممتلأ بالقدوة  الصالحة متعددة الجوانب والمواهب ،وإن من الغبن أن نغلق كتاب قدوتنا الأمجاد وأصحاب البصمات الواضحة في تاريخ وحياة الأمة، ونفتح باب التبعية ونعيش على ثقافة وأمجاد غيرنا، وقد كنا من قبل موردين ولم نك مستوردين، ولا عيب أن نستفيد من غيرنا، ولكن العيب أن نظل دائما نأخذ ولا نعطي!!.

إن دور الشباب في تجديد المسار الحضاري مهم، ولكن يجب تفعيله، عن طريق بناء شبابنا علميا وإيمانيا وثقافيا، ولا يتحقق ذلك إلا بإعداد المربين والمعلمين أصحاب الرسالات، فإننا الآن نفقد هذا الجيل الذي كان همه بناء القلوب والعقول، فنحن أمة نحتاج المعلم الرسالة لا معلم الوظيفة، كما أننا نحتاج إلى متعلمي الرسالة والهدف لا متعلمي الشهادات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

5 - غرس الإيجابية في شبابنا والتعايش مع قضايا الأمة:

إن الارتكان إلى السلبية أصبح مرضا خطيرا يعاني منه كثير من الناس، وتجاهل هذا المرض ينذر بخطر شديد؛ وذلك لأن عقاب السلبية عام وليس خاصا، قال تعالى: }وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ{ [الأنفال: 25]،فالإيجابية سفينة النجاة التي إذا خرقت فإن العاقبة تكون وخيمة على المجتمع كله، حيث يصيب الهلاك الجميع الصالح والطالح، كما أن الإيجابية هي وقود التقدم لأنها تحدث تغييرا جذريا في حياة الأمم، وذلك إذا اتسمت بالبناء وانطلقت من رؤية شرعية تراعي المصالح وتدرأ المفاسد وتقرأ الواقع قراءة جيدة وتتعامل معه بفهم وحكمة وصبر .

ولكي يكون الإنسان إيجابيا لابد من معرفة قواعد هذه الإيجابية التي يأتي على رأسها تغيير المنكرات والأمر بالمعروف وفق ضوابط شرعية مرتبة ترتيبا محكما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم:" من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".[3] 


 


[1] أخرجه البخاري-كتاب الرقاق - باب لا عيش إلا عيش الآخرة-.

[2] أخرجه الترمذي- كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص.

[3] أخرجه مسلم- كتاب الإيمان- باب بيان كون النهى عن المنكر من الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجبان-.