أيام قليلة تفصل إيران عن حزمة جديدة من العقوبات الأمريكية يُفترض أن يستقبلها الاقتصاد الإيراني في الرابع من نوفمبر المُقبل، تلك العقوبات تأتي كمرحلة متقدمة عن سابقاتها التي أوصلت الاقتصاد الإيراني إلى حد الانهيار، لأنها ستستهدف النفط الإيراني ومراحل نقله للأسواق العالمية كما أن البنك المركزي الإيراني لن يكون بعيداً عن تلك العقوبات التي ستمنع أو تحد من وصول العملات الصعبة إلى الأسواق الإيرانية فضلاً عن فرض جملة من القيود على الصادرات الإيرانية. من جانبها ربطت الإدارة الأمريكية توقف مسلسل العقوبات على إيران بتراجع طهران عن تمسكها بالاتفاق النووي وشروطه التي ترفضها إدارة ترامب، وإعادة النظر في دورها تجاه جيرانها وذلك وفق ما جاء في خطاب ترامب الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي.

أثارت أصوات المحتجين على سياسة النظام الإيراني الإدارة الأمريكية التي عبرت عن أعجابها بتأثير العقوبات وأكد جون بولتن على أن بلاده لم تكن تتوقع هذا التأثير الكبير للعقوبات على الاقتصاد الإيراني، فخلال الأشهر الأخيرة فقد الريال الإيراني نصف قيمته، كما أن ظاهرة الاحتجاجات لم تعد مقتصرة على الأقليات التي تدافع عن حقوقها المفقودة، لأن جميع طوائف وفئات الشعب الإيراني عبرت عن رفضها لسياسات النظام الذي قابل الهزات الاقتصادية المستمرة بقمع الاحتجاجات والقيام ببعض الإجراءات التي لا تُغني ولا تُسمن من جوع وقد كان أبرزها عزل وزير الشؤون الاقتصادية والمالية في أغسطس الماضي من خلال البرلمان، والقيام بخطوة مشابهه تَصدر لها الأخير حينما صوت على عزل محافظ البنك المركزي، غير أن توجيه الإتهامات للرجل الثاني في البنك المركزي والقاء القبض عليه، ما هي إلا خطوة تؤكد حالة الضعف الذي يعيشها النظام الإيراني، فتلك الإجراءات لم تحقق سوى مزيداً من الإنهيار الاقتصادي وتوسيع الفجوة بين النظام والرأي العام.

منذ انسحاب واشنطن من الإتفاق النووي تجاوز حجم الخسائر الإيرانية 46 مليار دولار وشهدت إيران أرتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة والفقر والتضخم الذي أرتفع بنسبة تجاوزت 10 % خلال الأشهر الأخيرة. ورغم هذه الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد، إلا أن لغة العواطف والحديث عن أمجاد الماضي والصمود الذي دام أربعة عقود في مواجهة العقوبات الغربية ما زالت طاغية على خطاب رجال النظام الذين تجاهلوا ما يعانيه إقتصاد بلادهم من أزمات مزمنة أغلبها يسبق العقوبات الأمريكية الأخيرة، فإذا كانت عقوبات أغسطس الماضي قد ضربت قطاعات النفط والمال والصناعات فإن الإستثمارات الخارجية والصادرات الإيرانية والتعاملات التجارية  وغيرها من المنتظر أن تكون هدفاً لعقوبات نوفمبر المُقبل، وهو ما سيحد من قدرة إيران على جلب المزيد من العملات الصعبة التي أصبحت حكراً على رجال الدولة خلال الأشهر الأخيرة.

إن عدم قدرة النظام الإيراني على مواجهة العقوبات وفشله في أقناع الرأي العام بإجراءات المواجهة لخصتها كلمات الرئيس الأمريكي ترامب خلال خطابة الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فما يطلبه الرئيس الأمريكي من النظام الإيراني بشأن علاقاته بجيرانه هو مطلب شعبي قبل أن يكون مطلب أمريكي، لأن الأموال الذي يصرفها النظام على حلفاءه في المنطقة من أجل تحقيق طموحاته التوسعية كانت شعار المظاهرات التي تشهدها المدن الإيرانية مؤخراً، وهنا لابد من طرح السؤال الأهم والمتعلق بمصير حلفاء إيران في المنطقة ومصيرهم المجهول مع استمرار مسلسل العقوبات، فالمشهد الإيراني الداخلي ملتهب والبلاد تدخل في مرحلة فارقة وأغلب الظن أن التداعيات على الداخل ستكون كارثية، وهو ما سينعكس حتماً على علاقاتها الخارجية، فالعراق أكد التزامه بالعقوبات تفادياً  لأي أزمات جديدة مشابهة لتلك التي تعرض لها نظام صدام، وهو ما سيفقد إيران أحد أهم بوابات الهروب من جحيم العقوبات.

ولا شك في أن مصير الحلفاء الأخرين ليس أفضل حالاً، لأن ارتفاع معدلات البطالة والفقر في صفوف الإيرانيين يقابله مخصصات مالية شهرية يقدمها النظام الإيراني لجيوش من الحلفاء "المليشيات" في سوريا والعراق ولبنان واليمن وغيرها، وكأن أموال الإيرانيين مُحرمة عليهم، أو أن النظام قد أخذ على عاتقة رفع مستوى البؤس في صفوف مواطنيه من أجل المراهنة على مشروع لم يحقق أي نجاحات تُذكر، فكل المناطق التي تتلقى دعم إيراني تشهد صراعات طائفية ومذهبية وهي الأكثر فقراً، فحزب الله في لبنان أخذ عدة إجراءات تقشفية خلال الأشهر القليلة الماضية في محاولة للتكيف مع العقوبات، لكن ملامح الأزمات المالية التي ستلاحق حلفاء إيران في المنطقة لن تطول حتى وإن كانت إيران تعتمد قنوات غير شرعية في نقل هذه الأموال فإنها مع استمرار أزماتها الاقتصادية لن يكون بمقدورها توفير هذه الأموال، فالبحث عن هذه الأموال وتوفيرها لن يكون أيسر من البحث عن طرق غير شرعية لتوصيلها.

مع إتساع الفجوة بين النظام والشعب الإيراني سيكون من الصعب على النظام الإيراني خلق أزمات خارجية للهروب من تحديات الداخل أو لمواجهة العقوبات، لأن تراجع تدفق المال الإيراني لمناطق الصراعات يمكن أن يحد من قدرة إيران على التأثير في مناطق الصراع، وقد كان تواري إيران خلف الموقف الروسي أثناء مفاوضات الأخيرة مع تركيا حول شمال سوريا دليل على إدراك النظام الإيراني لخطورة المرحلة التي تتطلب المزيد من الحلفاء وتأجيل المواجهة أو تبريد مناطق الصراع أملاً في تفادي العقوبات.