بعد استقلال الدول الإسلامية من الاستعمار الغربي، في منتصف القرن الماضي، ولكي تستعيد هذه الدول هويتها، وتتخلص من وصمة "صنيعة الغرب" التي تلبستها، ازدادت أهمية دراسة الموارد المالية للدولة، من وجهة النظر الإسلامية، وبخاصة بعد ظهور المصارف الإسلامية، عام1973. ولم يكن ذلك لأجل، أن يحلّوا مشاكل الحاضر، بوصفات جاهزة من الماضي، وإنما لكي يسترشدوا بها، في رسم سياساتهم المالية الدنيوية، ولكي يبنوا عليها ويطوروها، وفقا لمقتضيات العصر، وبما يؤدي لرسم سياسة مالية إسلامية تجسّد ذلك الاستقلال وعدم التبعية للغرب، فعلا لا قولا. " والبحث في مسائل الخراج وإشكالياته هو بحث في مالية الدولة: في مواردها وفي توزيع هذه الموارد، أي في الأساس الذي قامت عليه الدولة، وهو بحث على جانب كبير من الأهمية النظرية والعملية، فيما يتعلق بماضينا وحاضرنا[1]". ولا تزال هناك أهمية للبحث في هذا الموضوع، برغم الانتكاسات والإخفاقات التي حدثت في الواقع.

أولا: تعريف الخرج وأقسامه

لمصطلح "الخراج"، في كتابات الفقهاء والكتاب الإداريين المسلمين، معنيان: معنى عام، ومعنى خاص. فكلمة "خراج"، قد تستخدم كاسمٍ جامع، وعنوان شامل، لموارد الدولة الإسلامية، بمختلف أنواعها وأصنافها، من خمس الغنائم، إلى الفيء، إلى الجزية، إلى الصدقات، إلى العشور، إلى خراج الأرض، إلى غير ذلك، وهذا هو المعنى العام، أو العريض. وهي، أي كلمة "خراج"، قد تستخدم لتعني خراج الأرض، أي الضريبة، فحسب[2]. وهذا هو المعنى الخاص أو الضيق. والخراج بالمعنى الثاني، هو المقصود هنا، وهو يمثل حصة الدولة، أو بيت المال، من الأراضي المفتوحة، أو بالأحرى، هو الحقوق التي تٌوضع على رقاب الأرض، وتؤدى عنها، لملاك الأرض، أو لمن لهم الحق في منفعتها، سواء كانوا، أفرادا، أم قبيلة، أم دولة، وهو قسمان، خراج أراضي الصلح، وخراج أراضي العنوة[3]:

1. خراج أراضي الصلح: أي خراج الأرض التي صالح أصحابها المسلمين، قبل أن يغلبهم المسلمون عليها، وبالتالي، بقيت بأيدي أصحابها بملكية تامة. وخراج هذه الأراضي يسقط بإسلام أصحابها، لأنه بمثابة جزية على الأرض، لذلك يسقط بإسلامهم، كما تسقط الجزية عن رؤوسهم، وتتحول أرضهم، بالتالي، إلى أرض عُشرية، كما أنها تتحول إلى عُشرية، إذا انتقلت ملكيتها إلى مسلم، وأما إذا انتقلت ملكيتها من يد ذمي، إلى يد ذمي، كان الخراج على من هي في يده. وفي كل الأحوال، يجوز لأصحابها بيعها، والتصرف فيها بمختلف أنواع التصرفات القانونية، كالبيع، والتوريث، والهبة، والوصية.

2. خراج أراضي العنوة: أي خراج الأراضي التي غُلب أصحابها عليها، وفتحها المسلمون بأسيافهم، ومن دون عقدٍ أو عهد، فصارت، بالتالي، ملكا للمسلمين الفاتحين، ولكن الدولة لم تقسمها بينهم، وإنما تركتها بأيدي أصحابها، كي يزرعوها مقابل حصة من الناتج أو المحصول. وخراج هذه الأرض، لا يسقط بإسلام أصحابها، وإنما تسقط الجزية عن رؤوسهم، فحسب، ويظل الخراج عليها، كما هو عليه، حتى إذا انتقلت ملكيتها لرجل مسلم، لأن خراج هذه الأرض يعتبر بمثابة أجرة للأرض، أو بمعنى الأجرة، والأجرة لا تسقط بتغير المالك، كما هو معلوم، كما أن هذه الأراضي، لا يجوز بيعها، أو التصرف فيها بأي نوع من أنواع التصرفات، إلا بموافقة سلطان المسلمين العادل، لأنها أساسا وقف (فيء) لجميع المسلمين، في هذا الجيل، والأجيال التي بعده، إلى أن يرث الله الأرض وما عليها. وهذا النوع من الخراج، هو الذي قامت عليه الدولة الإسلامية، وهو سبب استمراريتها، لأنه كان أهم مصادر دخلها، في تمويل نفقاتها، خلال قرون مجدها وعزها، وكانت هذه الوظيفة من الوظائف الكبرى في الدولة، التي تفرض طبيعتها أن يكون صاحبها عالما، فقيها، عارفا بالقرآن، والحديث، وهي علاوة على ذلك، لا تُسندُ عادةً إلا لمن أتصف بالصلاح، والدين، والأمانة، والعفة، والخوف من الله، إلى جانب الخبرة العملية، وسرعة البت في الأمور، فضلا عن المعرفة بأمور البلاد، ومشاكلها، والدراية بالحساب والمساحة[4]، فلم تكن البلاد المفتوحة، مستعمرة يعيش الفاتحون، من دماء أهلها، وأموالهم، كحال أصحاب الإمبراطوريات مع رعاياها[5].

ثانيا: أسس تقدير الخراج

هناك أساسان رئيسيان لتقدير الخراج، فإما أن يتم تقديره على أساس مساحة الأرض، أو على أساس محصول أو ناتج هذه الأرض، ولكل من هذين الأساسين مميزات وإيجابيات.  

1. تقدير الخراج على أساس المساحة: وهو المعروف باسم "خراج الوظيفة"، حيث كان يفرض مقدار معين من الخراج على مساحة الأرض الصالحة للزراعة، وعلى حسب نوع محصولها أو إنتاجها، وذلك بعد إجراء عملية المسح، وتحديد مساحة هذه الأراضي، وذلك كما فعل عثمان بن حنيف، مندوب الخليفة عمر بن الخطاب في وضع الخراج على أراضي سواد الكوفة، فقد قام بمسح هذه الأراضي، فجعل على جريب العنب عشرة دراهم، وعلى جريب النخل ثمانية دراهم، وعلى جريب القصب ستة دراهم، وعلى جريب الحنطة أربعة دراهم، وعلى جريب الشعير درهمين[6]. وبموجب هذه الطريقة، كان الخراج، يفرض على هذه الأرض الزراعية، سواء زرعت أم لم تزرع، مع مراعاة الظروف التي قد تؤثر على الإنتاج الزراعي، وطريقة السقي، ومبدأ المقدرة على الدفع، ومدى القرب من الأسواق، وغير ذلك[7].

2. تقدير الخراج على أساس المحصول: وهو المعروف باسم "خراج المقاسمة"، وهو تعديل للنوع الأول، وكانت الدولة الإسلامية، بموجب هذا النظام، تأخذ جزءا أو نسبة من المحصول، كالثلث أو الربع، حسب طيب الأرض وغلتها[8]. وهذا النظام يشبه الصدقة، التي تُدفع من المحصول، وليس من الأرض، بحد ذاتها، إلا أنه يختلف عنها، بكون فئاته مرنة، حيث يمكن رفع نسبته أو تخفيضها، حسب الأحوال، وطبقا لمقتضيات المصلحة العامة، كما أنه يختلف عن الصدقة، في كون مصارفه اجتهادية، وليست نصية، كالزكاة.

وكان النوع الأول، وهو "خراج الوظيفة"، هو النظام المعمول به، منذ عهد الخليفة عمر بن الخطاب، وكان هو المورد الرئيسي للدولة الإسلامية، فمنه كانت تدفع مرتبات الجند، وتمول مختلف نفقاتها. ويتميز هذا النظام، بثبات الدخل السنوي للدولة، كما يتميز بكونه يحفز المزارعين، على استغلال الأرض، التي بأيديهم، وعدم إهمالها، ويؤدي، بالتالي، إلى زيادة الإنتاج، أي يترتب عليه عمارة الأرض، لأن الأرض التي لم تزرع سيتم دفع خراجها، ما لم يكن هناك مانع من الزرع، فإن وجد هذا المانع، فلا خراج عليه، ومتى أصاب الزرع آفة فلا خراج عليه أيضا.

وأما النوع الثاني، وهو "خراج المقاسمة"، فكان هو النظام المعمول به في أراضي الصلح في الأندلس[9]، على سبيل المثال، ويتميز هذا النظام، بأن فيه تخفيف على الفلاحين، ولكن يُعاب عليه أن حصيلته متذبذبة، تبعا لتذبذب الإنتاج، كما يعاب عليه أنه لا يمكن زيادة نسبته، وفي كونه يُجبى من المنتجين الزراعيين فقط، ويُترك غير المنتجين، أي أن ذلك التخفيف، يكون على حساب عمارة الأرض، وعلى حساب المساواة بين المكلفين.

علما بأنه قد ينص الاتفاق مع أهل الصلح على دفع ضريبة واحدة، تسمى جزية أو خراجا، وتشمل الضريبتين معا (الجزية والخراج)، ولا يمكن الزيادة عليها، وتبقى أرضهم بأيديهم بملكية تامة، ولا تكون أرض خراج[10].

ثالثا: أهمية الخراج

لقد كان الخراج، أهم مصدر للدخل لدى الدولة الإسلامية، عبر العصور، نظر لعدم ثبات الموارد الأخرى، أو لتلاشيها، مع مرور الوقت، ويتضح ذلك مما يلي[11]:

1. أن خمس الغنيمة المفروض على ما يصيبه المسلمون من عساكر أهل الشرك، يتوقف بتوقف الفتوحات، ونضوب مواردها من الغنائم، وهذا طبيعي، لأن الفتوحات لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، ولن تكون هناك حروب أو معارك سوى في الثغور.

2. أن الزكاة المأخوذة من المسلمين، محددة المصارف سلفا بالنص، وبالتالي، لا يمكن الاجتهاد في هذه المصارف، كما أنه يمكن جمع الزكاة وتوزيعها في نفس البلد، دون أن يدخل منها درهم واحد، إلى خزينة الدولة، كما يمكن للدولة أن تترك أصحابها يؤدونها مباشرة في مصارفها المحددة، وبخاصة الأموال الباطنة، وعلى هذا سارت الدولة الإسلامية، منذ عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله.

3. أن العشور، أي الرسوم التي كانت تؤخذ من تجار أهل الحرب، الذين يجلبون تجارتهم لبيعها في بلاد الإسلام، كانت قليلة، ولم تكن تشكل أي أهمية نسبية تذكر من إجمالي موارد الدولة الإسلامية، كما أن هذه العشور مرتبطة بمبدأ المعاملة بالمثل، وبالتالي، يمكن أن تسقط، إذا أعفي التجار المسلمون، الذين يسوقون تجارتهم في ديار أهل الحرب من دفع مثل هذه الرسوم.

4. أن الجزية المأخوذة من أهل الكتاب، فضلا عن كونها كانت قليلة، فقد كانت تشح تدريجيا بتزايد دخول هؤلاء في الإسلام، وقد تتلاشى تماما، وذلك عندما يصير كل أفراد المجتمع من المسلمين، وبالتالي، لا يمكن الاعتماد عليها، والحال هذا، في تمويل نفقات الدولة، والحال كذلك، بالنسبة لخراج أراضي الصلح، أو جزية الأرض.

وعلى ذلك ففي مجتمع يكون أفراده جميعا أو معظمهم من المسلمين، لم يبق هناك مورد ثابت للدولة، إلا الخراج، ولذلك، كان الخراج، أهم مقومات استمرارية الدولة الإسلامية، وبقائها قوية راسخة، عبر العصور، كما أنه أسهم في تعميق الدمج في المجتمع الإسلامي، وفي دعم شرعية الدولة[12]. ومن هنا يتضح لنا بعد نظر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في إصراره على عدم قسمة أراضي البلدان التي فٌتحت عنوة بين المسلمين الفاتحين، وتركها بدلا عن ذلك، بيد أصحابها يزرعونها مقابل حصة من الناتج، وهو الخراج[13]، بل استعادة الأرض التي كان قد أعطاها لبعض المجاهدين[14]. فلو أن هذه الأراضي الشاسعة قُسّمت بين المسلمين الفاتحين، لجاء اليوم الذي تنعدم فيه موارد الدولة الإسلامية، أو تكاد، وهو ما سيؤدي إلى اضطرار الدولة لفرض جبايات غير شرعية، حتى تستطيع الاستمرار، وتأدية وظائفها المختلفة كالدفاع، والأمن والعدالة، لأنها لو لم تفعل ذلك لزالت من الوجود، أو لأضطرت للاقتراض من الدول الغنية، أو أصحاب رءوس الأموال في الداخل، وهو ما قد يترتب عليه التفريط في سيادتها، من جهة، وإلى الوقوع في كبيرة الربا، وما ينجم عن ذلك من خسران وبوار وضياع الاستقلال، كما حصل للدول الإسلامية، منذ مطلع التاريخ المعاصر، وحتى اليوم. وهذا يقودنا إلى نتيجة مفادها أن الزراعة، كانت أهم مقومات الاقتصاد السياسي الإسلامي، عبر تاريخ الإسلام الطويل والباقي طولا وعرضا، إن شاء الله.

***


 


[1] الفضل شلق، الخراج والٌإقطاع والدولة دراسة في الاقتصاد السياسي للدولة الإسلامية، كتاب منشور كمقدمة لمجلد (في النظام الاقتصادي الإسلامي)، دار الحداثة- بيروت، ط1، 1990، ص15.

[2] انظر، الفضل شلق، المرجع السابق، ص16، وأيضا عابدين أحمد سلامة، الموارد المالية الإسلامية، أحد بحوث ندوة موارد الدولة الإسلامية والمنعقدة بالقاهرة، بتاريخ 3-10 شعبان 1406هـ، المعهد الإسلامي للبحوث والدراسات التابع للبنك الإسلامي للتنمية، ط1، 1989، ص28.

[3] انظر، محمد رواس قلعه جي، موسوعة فقه عمر بن الخطاب، سلسلة موسوعات فقه السلف (8)، دار النفائس- بيروت، طبعة موسعة ومنقحة، د.ت، ص380، 381 ، وأيضا: عبد العزيز الدوري، أرواق في التاريخ الاقتصادي، سلسلة الأعمال الكاملة – 9-، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2009، ص65.

[4] أنظر، عابدين أحمد سلامة، المرجع السابق، ص30-31.

 [5] انظر، سيد قطب، العدالة الاجتماعية في الإسلام، دار الشروق- بيروت، د.ت، ص149.

[6] أبو يوسف القاضي (يعقوب بن إبراهيم) ، كتاب الخراج، الكتاب الأول من مجلد "في النظام الاقتصادي الإسلامي"، المرجع السابق، ص140.

[7] انظر، عابدين أحمد سلامة، المرجع السابق، ص28-29

[8] انظر، المرجع السابق، التعليقات، ص47.

[9] محمد بن عبد الوهاب الغساني، رحلة الوزير في افتكاك الأسير، حررها وقدم لها نوري الجراح (دار السويدي- أبو ظبي، المؤسسة العربية– بيروت) ط1، 2002، ص143.

[10] انظر، عبد العزيز الدوري، النظم الإسلامية، سلسلة الأعمال الكاملة -6-، مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت، ط1، 2008، ص107.  

[11] انظر، الفضل شلق، الخراج والٌإقطاع والدولة ، مرجع سابق، ص34، 37-38.

[12] انظر، المرجع السابق، ص41.

 [13] سيد قطب، المرجع السابق، ص149، وأيضا،  الدوري، أوراق، المرجع السابق، ص65.

[14] انظر، أبو عبيد القاسم بن سلام الأزدي، كتاب الأموال، تحقيق محمد عمارة، دار الشروق– بيروت، ط1، 1989، ص139.