تدور في اليمن منذ عام 2014 حربا ضروس بين القوات الحكومية والمعارضين لها وصارت المواجهات أكثر شراسة مع تدخل قوات التحالف العربي فيها في مارس 2015.

وحاولت الأمم المتحدة مرارا التدخل لوضع حل لهذه الحرب التي أثرت على حياة الناس بشكل كبير وتسببت في ظهور الأزمات الانسانية المتتالية ولكنها لم تنجح حتى الآن في جمع شتات الفرقاء.

ومع اشتداد المواجهات في اليمن تسعى العديد من الأطراف للتدخل من أجل وقفها أو وضع حلول للتوصل الى صيغة تنهى هذه المواجهات وتخفف من المعاناة الانسانية في اليمن والأزمات التي تسببها هذه المواجهات والنزاعات كان أخرها ما كشفه نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي  فيرشينين في 5 تشرين أول / أكتوبر من العام الجاري أن موسكو ترعى وساطة بين جميع الفرقاء في اليمن لتقريب وجهات النظر وتشجيعهم على الحوار لان الحرب لا تؤدي إلا لمزيد من القتل واراقة الدماء وروسيا تلعب بالفعل دور الوساطة في حل الصراع المحتدم  في اليمن.

 يرى صنّاع القرار في روسيا أن اليمن هو وجهة جذابة للتدخل الدبلوماسي وذلك لأنهم يعتقدون أن السعودية على استعداد لوضع حد للأعمال العدائية في اليمن إذا عُرض عليها شروط مقبولة وأنها تريد تسوية دبلوماسية في اليمن تجبر جميع الأطراف المتحاربة على الامتثال إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 الصادر في نيسان / أبريل 2015 والذي يدعو إلى إنهاء الحرب الأهلية اليمنية.

ومن أجل التوصل إلى تسوية سياسية دائمة في اليمن ستحتاج السعودية إلى التنسيق مع وسيط خارجي قوي ويوفر هذا الفراغ في الوساطة فرصة ممتازة لروسيا حتى تعرض براعتها الدبلوماسية من خلال تسهيل حل الصراع في اليمن. هذه الوساطة التي تحاول موسكو لعبها في اليمن تحقق لها الكثير من الامتيازات خاصة في هذه المنطقة الجغرافية المميزة والتي تعج بالمنافع والخيرات وأهمها:

-       تتيح فرصة لروسيا لتوسيع نفوذها الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي ومنافسة الولايات المتحدة الأمريكية فيها.

-       توفر فرصة منخفضة التكلفة لفلاديمير بوتين حتى يسلط الضوء على نفوذ موسكو في الشرق الأوسط.

-       تعطي فرصة لروسيا لترسيخ نفسها باعتبارها قوة عسكرية كبرى على البحر الأحمر.

-       تمكن روسيا من إنشاء قاعدة عسكرية روسية في اليمن تزيد من مكانتها بوصفها قوة عظمى في شبه الجزيرة العربية.

-       تعزز تصورات التأثير الدبلوماسي لروسيا  في الشرق الأوسط مما يعزز تطلعاتها في إنشاء نظام أمن جماعي إقليمي.

-       تعطي القدرة لروسيا على مواجهة الانتقادات لسياستها في سوريا وتزيد من احترامها كمحكم صراع في العالم العربي.

-       تساعد روسيا على تحسين صورتها في العالم العربي وتعزيز المشاعر الموالية لها في الشرق الأوسط.

منذ بدء التدخل العسكري في اليمن حافظت روسيا على علاقة تعاونية مع جميع أصحاب المصلحة السياسيين الرئيسيين في اليمن خلافًا للولايات المتحدة التي اتفقت علنًا ​​مع قوات التحالف وخلال المراحل المبكرة من الصراع أعلنت موسكو على الفور دعمها لحل سلمي للحرب الأهلية في اليمن وأعربت عن تأييدها لحظر الأمم المتحدة الشامل على توريد الأسلحة إلى الفصائل اليمنية المتحاربة.

وعلى الرغم من أن التدخل العسكري في اليمن قد انتقل إلى صراع مطول فقد حافظت روسيا على علاقات إيجابية مع القادة على جانبي الحرب الأهلية ولإثبات التزامها بالحوار الدبلوماسي الشامل تحتفظ روسيا بسفارة في العاصمة صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون وقنصلية في عدن عاصمة حكومة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي المدعومة من التحالف ومن خلال هذه القنوات الدبلوماسية تشاورت موسكو مع الفصائل المؤيدة للتحالف والمؤيدة لإيران بشأن تدابير مكافحة الإرهاب وأجرت مفاوضات غير رسمية بشأن حل الأعمال القتالية في اليمن.

ان تاريخ التدخلات الدبلوماسية السوفيتية الناجحة في اليمن تعزز إلى حد كبير مصداقية روسيا لتصبح محكمًا في الأزمة الحالية ولعل فحص العوامل الجيوسياسية في الشرق الأوسط بشكل أعمق يشير إلى أن اليمن هو المسرح الأمثل للتدخل الدبلوماسي الروسي ويبقى السؤال الأهم هل روسيا قادرة على حل الأزمة اليمنية؟ واذا فعلا أحرزت تقدمًا في إنهاء المواجهات في اليمن الذي يبدو أنه مستعصٍ على الحل هل سيعزز ذلك دورها كوسيط لا غنى عنه في منطقة الشرق الأوسط ؟