يشكل الإعلام جانبا مهما في تنفيذ السياسات الرسمية للجماعات والمنظمات والدول، وتكمن أهميته في كونه أداة دعائية يتم توجيهها من اجل الإقناع والإخضاع والأدلجة. وفي الزمن المعاصر لم تعد القوة الصلبة (الجيش، المخابرات) تكفي وحدها من اجل إثبات الهيمنة، حيث بدأت الأنظمة باستخدام الإعلام من اجل التأثير في مشاعر المشاهد وانفعالاته وتوجيه أفكاره وميولاته. ومن المعروف أن الدول الغربية استخدمت الإعلام في حربها ضد الكتلة الشيوعية حيث قامت إذاعة "أروبا الحرة" بدور أساسي في توجيه خطابات الى مواطني أروبا الشرقية وخلق صورة نمطية تكرس التفوق الليبرالي على حساب المنظومة الشيوعية التي فشلت رغم قوتها العسكرية والاستخباراتية في حفظ استقرار الأنظمة وضمان استمراريتها.

كانت إيران ومنذ سقوط الشاه (1979) إحدى الدول السباقة الى التركيز على الدعاية الموجهة الى المنطقة العربية فوضعت ضمن سياساتها الرسمية فكرة تصدير الثورة والترويج لتوجهاتها، وكان الاستهداف مركّزا في بدايته على تحريض شيعة العراق عبر توظيف إذاعة حملت تسمية "صوت الثورة الإسلامية في العراق" وبالنظر الى الفشل العسكري الإيراني في حرب الخليج الأولى لم تكن الدعاية الإيرانية كافية لخلق بؤر توتر موالية لها كما سيحصل لاحقا بعد إسقاط الدولة العراقية برئاسة صدام حسين وما ترافق معها من ثورة تقنية تم توظيفها بكل براعة من اجل التأثير وإعادة تشكيل وعي الأقليات الشيعية بالمنطقة العربية أولا ثم محاولة التلاعب بعقول الجمهور العربي العام في ظل غياب سياسة رسمية عربية تتصدى للسياسات الإيرانية.

يرتبط الخطاب الدعائي الإيراني بالمجالين السياسي والمذهبي ومن الصعب الفصل بينهما، فوسائل الإعلام التي تروج للمذهب الشيعي لا تخرج في سياستها العامة عن خدمة التوجهات الرسمية للدولة الإيرانية حتى وإن كانت بصورة خفية. وفي المقابل استخدمت إيران الخطاب السياسي التحريضي بمهارة فلم تعمد في بداية تسويقها لخطابها الى التركيز على القضية المذهبية وإنما خاطبت التوجهات التحررية أو نزعات التمرد لدى الجمهور الذي تتم مخاطبته وهو أمر يمكن ملاحظته في جانبين: ففي الثمانينات صدرت مجلة العالم الإيرانية وركزت على القضايا السياسية في المنطقة العربية من وجهة نظر إيرانية وتجنبت الخوض في الخلافات المذهبية من اجل إيجاد موطئ قدم في السوق الإعلامية العربية ومن جانب آخر لعبت قناة المنار التابعة لحزب الله اللبناني دورا مهما في خدمة الدعاية الإيرانية وبشكل خبيث، حيث منذ انطلاق بثها الفضائي جعلت من القضية الفلسطينية وسيلتها المركزية من اجل اجتذاب الجمهور العام والتأثير فيه وفي ظل غياب أدوات إعلامية منافسة تتبنى القضية الفلسطينية استطاعت أن ترسخ في الأذهان ولو بشكل جزئي أنها قناة المقاومة بامتياز على الأقل طيلة العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين.

مع تطور الثورة التقنية وسهولة البث الفضائي انتشرت القنوات الشيعية بشكل واضح، واتخذت توجهات مختلفة من حيث الأسلوب رغم اشتراكها في الهدف هو خدمة الدعاية الإيرانية وقراءتها للمذهب الشيعي. فظهرت قنوات دينية صرفة مثل الأنوار وأهل البيت وظهرت قنوات موجهة للأطفال مثل طه وأخرى غايتها إثارة الخلاف مع الجانب السني وهو ما تتبناه قنوات مثل فدك والفيحاء.

وبصورة عامة يمكن القول أن القنوات الشيعية التي تبث على الأقمار الصناعية العربية مثل نايلسات أصبحت أكثر انتشارا بشكل يثير الانتباه ويمكن حصرها كالتالي: الأنوار الأولى - الأنوار الثانية - الحجة - المعارف - فورتين - قناة المهدي - "قناة فدك" - الفرات - بلادي - كربلاء - الثـقلين - الغدير - الأوحد - العهد - الكوثر - المنار - المسار - المسار الأولى - الكوت - العالم - مجموعة العراقية - الفرقان - طه - السلام - بريس تي في - الاتجاه - هدهد للاطفال - IFilm قناة الأفلام - هادي للأطفال - قناة الولاية - قناة المصطفى - الإمام الرضا - الدعاء الفضائية - الصراط الفضائية - النعيم الفضائية.

لقد تحول الخطاب الإعلامي الإيراني من مرحلة الدعاية الرمادية التي تتخفى وراء شعارات المقاومة والوحدة الإسلامية والأخوة في الله كما كانت تروج مجلات الثمانينات من قبيل مجلة الوحدة الإسلامية ومجلة العالم أو خطاب قناة المنار في بدايات بثها الفضائي لتمارس لاحقا خطابا مذهبيا فجا يحض على كراهية الآخر ويبحث عن مواطن الخلاف ويروج لسياسات الهيمنة الإيرانية بشكل معلن، وقد لعبت الثورة السورية دورا مهما في إماطة اللثام عن الخطاب الدعائي الإيراني حيث أصبحت السياسة الإيرانية الرسمية في مواقفها من المشهدين السوري واليمني واضحة المعالم ولا تخفى على المتلقي وهو أمر افقدها الكثير من المصداقية من الناحية السياسية تماما مثلما خسرت الدعاية الإيرانية حول التقريب بين المذاهب وأن الخلاف بين السنة والشيعة يتعلق بالفروع والجزئيات مع متابعة المشاهد العربي لمراسم العبادة الشيعية في عاشوراء أو سماعه لدروس الرموز الدينية للمذهب الشيعي وما يكشف عنه من خلاف حاد مع السنة الى الحد الذي يجعل من هذا المذهب دينا قائما بذاته. ويبقى الإشكال في ضعف الإعلام الذي يتصدى للتوجهات الإيرانية وانغماسه في توجهات ترفيهية أو تصورات سياسية عاجزة عن تقديم خدمة إعلامية توعوية للمشاهد العربي في مواجهة سيل الدعاية الإيرانية التي تمر في غالب الأحيان عبر أجهزة عربية من شاشات وأقمار صناعية لا تفكر إلا في المقابل المادي الذي تحصل عليه دون وعي بخطورة الخدمة التي تقدمها للدعاية الإيرانية في المنطقة.