فشلت الولايات المتحدة في صنع كيان سياسي للأكراد في شمال سوريا لمواصلة استنزاف تركيا أمنياً، كما أنها فشلت في تأمين بقاء عسكري دائم لقوات سوريا الديمقراطية الكردية على الحدود التركية السورية، لذلك وافقت واشنطن على إجراء إتفاق أمني بموجبه يتم إيجاد آليات لإدارة منبج بصورة مشتركة مع الأتراك لاسيما عقب إندفاع الأتراك في سلسلة عمليات عسكرية في الشمال السوري لتأمين حدودهم آخرها كان مهاجمة عفرين وطرد المجموعات الكردية المسلحة منها.

  تركيا التي تعد من القوى البارزة في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بالإضافة إلى استضافتها لقاعدة (انجرليك) التي يستخدمها التحالف الدولي لضرب "الإرهاب" بقيادة الولايات المتحدة لديها مستويات مختلفة من العلاقات مع أمريكا منها ماهو مرتبط بالمصالح الأمنية المشتركة التي تحدثنا عنها سابقاً بالإضافة إلى المصالح التجارية بين البلدين والتي يبلغ حجمها أكثر من 17 مليار دولار أمريكي، لديها حاضنة حقيقية تولد الأزمات مع واشنطن مرتبطة بما حدده الرئيس التركي نفسه رجيب طيب أردوغان مؤخراً بإتهام الانجيلية الصهيونية بالسيطرة على البيت الأبيض، وهذا الأمر يبرر وجود صراع يتعلق بالهوية الأيديولوجية بين الطرفين.  وهذا الأمر يوضح أن العلاقات بين البلدين منقسمة إلى قسمين، الأول مرتبط بالبيت الأبيض والهوية السياسية التي تسيطر عليه والآخر مرتبط بالمصالح المشتركة سواء كانت أمنية أو إقتصادية.

لذلك فإن ملف إعتقال السلطات التركية للقس الأمريكي الإنجيلي أندرو برونسون حالة مؤقتة ستنتهي بمجرد قيام واشنطن بإظهار تعاونها مع أنقرة في قضية فتح الله غولن زعيم جماعة خدمة التي يتهمه القضاء التركي بتدبير محاولة الإنقلاب التي جرت في صيف عام 2016م.

أندرو برونسون البالغ من العمر 50 عاماً ينحدر من ولاية كارولينا الشمالية بالولايات المتحدة، ويعيش في تركيا منذ 23 عاماً قضاها كراع لكنيسة جماعة إنجيلية في مدينة أزمير التركية. عقب محاولة الانقلاب ضد الرئيس التركي رجب طيب أرودغان بأشهر قليلة اعتقلت السلطات التركية 20 أمريكياً كان من بينهم القس برونسون بتهمة الإنضمام إلى جماعة إرهابية ودعم محاولة الإنقلاب والتجسس بالإضافة إلى التعاون مع حزب العمال الكردستاني الذي تعتبره تركيا منظمة إرهابية.

عقب إعتقاله في اكتوبر 2016م أبلغته الشرطة المحلية في أزمير بأنه سيتم ترحيله في غضون 15 يوماً، لكن تم احتجازه حتى مارس 2017م، واتهم رسمياً بالتجسس وإرتباطه بمنظمات إرهابية، وقد يبقى في السجن لمدة 35 عاماً في حال إدانته. أخرجت تركيا أندرو برونسون من السجن بصورة مفاجئة لكنها وضعته قيد الإقامة الجبرية ومنعته من السفر وضعت الشرطة سوار إلكتروني في قدمه لمراقبته على مدار الساعة. الخطوة التركية فسرتها شبكة (CNN) الأمريكية على أنها صفقة غير مباشرة تمت بين تركيا والولايات المتحدة بموجبها ضغطت واشنطن على تل ابيب لإطلاق سراح مواطنة تركية تدعى إبرو اوزكان، اعتقلتها السلطات الصهيونية أثناء عودتها في رمضان الماضي من زيارة للمسجد الأقصى، مقابل إفراج تركيا عن القس الأمريكي برونسون، لكن الرئيس التركي نفي التقارير التي تفيد بأن إطلاق سراح برونسون جاء مقابل إطلاق سراح أوزكان. وقال أردوغان "أبلغنا الامريكيين أنه يمكنهم مساعدتنا في إطلاق سراح إبرو ... لكننا لم نقول ابدا ... بأننا مقابل ذلك سنفرج عن برونسون."

  خلال الأيام القليلة الماضية صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لقناة "خبر" بأن الإستخبارات التركية رصدت حركة لعناصر من الموساد الصهيوني والإستخبارات الأمريكية بالقرب من المنزل الذي يعيش فيه القس الأمريكي، وذكرت وسائل إعلام تركية أن المنزل الذي يقيم فيه برونسون في أزمير يخضع لحراسات مشددة على مدار الساعة خوفاً من محاولات لتهريبه.

في تصريحات قد تفسر على أنها بداية النهاية لأزمة القس الأمريكي صرح مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي في مؤتمر عقده في سنغافورة: "على الرغم من التدهور الحاد في العلاقات بين البلدين إلا أن تركيا شريكاً رئيسياً للولايات المتحدة في المنطقة، أنا متفائل جداً بما سيجري في الأيام المقبلة".

حديث بومبيو جاء عقب قرار أمريكي بفرض عقوبات على وزيري العدل والداخلية التركيين الذي تبعه تهديدات لترامب بالتلويح بفرض عقوبات كبيرة على تركيا لإعتقالها برونسون الذي وصفه بأنه "رجل مسيحي عظيم. جاء الرد التركي على لسان وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو عبر تغريدات على حسابه الرسمي في توتير قائلاً "لا أحد يملي على تركيا. لن نتسامح مطلقا مع أي تهديدات من أي شخص. سيادة القانون فوق الجميع."

ربطت تركيا دائماً قضية برونسون بملف تسليم فتح الله غولن، وتساءل أردوغان في شهر مايو الماضي عن سبب رفض الولايات المتحدة طلب القضاء التركي بتسليم فتح الله غولن، وقال "غولن مقيم هناك، لم يتم إعتقاله حتى، نحن نطالب بتسليمه لكنهم يرفضون ذلك، لكن القس برونسون هنا وسيتم مقاضاته لأنه مرتبط بمنظمات إرهابية، هم يسألون عنه". 

خلال الأيام اليومين الماضيين وصل وفد من وزارة الخارجية التركية إلى واشنطن بهدف بحث ملف القس برونسون بحسب تصريحات للمتحدثة باسم الخارجية الأمريكي، هيذر نويرت، ويضم الوفد التركي مسؤولين من وزارات الخارجية، والعدل، والخزانة والمالية. ونشرت صحيفة "جمهوريت" معلومات تفيد بقرب الوصول إلى صفقة بين أنقرة واشنطن بموجبها يتم تسليم القس أندروا برونسون إلى واشنطن قبل اتهامه رسمياً بالتجسس لصالح منظمة غولن، مقابل قيام واشنطن بإطلاق سراح محمد هاكان أتيلا، نائب المدير التنفيذي لبنك خلق التركي الحكومي، الذي اعتقلته واشنطن أثناء زيارته للولايات المتحدة بتهمة الضلوع في انتهاك العقوبات الأميركية على إيران في الفترة ما بين 2010 و2015.

وذكرت الصحيفة أن تركيا طالبت الولايات المتحدة بتخفيف الحكم القضائي المفترض أن يصدر قريبا بحق بنك خلق، الذي من المنتظر أن يتضمن تغريم البنك مليارات الدولارات مقابل إطلاق سراح موظفين محليين يعملان بالقنصلية الأميركية بإسطنبول، تم اعتقالهما على خلفية صلات مع حركة غولن والعمال الكردستاني والتجسس السياسي أو العسكري. تركيا والولايات المتحدة لا تحاولان الوصول إلى مسار بلا عودة في طبيعة العلاقات بينهما، لأسباب أبرزها أن تركيا لها تأثير على عدة ملفات في المنطقة أبرزها ملف الإرهاب في سوريا والعراق وكذلك الملف الإيراني بالإضافة إلى حضورها القوي في أزمة اللاجئين التي أنهكت أوروبا لإعتبار عضويتها في حلف شمال الأطلسي.