"إني لأناشدكم ياصاحب الجلالة أن تستمر رعايتكم السامية لتلك القضية المهمة حتى يزداد العاملون فيها بإخلاص وأمانة". تلك الجملة اختتم بها البروفيسور الراحل فؤاد محمد سزكين كلمته خلال تكريمه كأول فائز في جائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية بحضور الملك خالد بن عبد العزيز رحمه الله.. الكلمة التي ألقاها سزكين الذي رحل عن عمر يناهز 94 عاماً قضاها في توثيق وجمع وحفظ التراث الإسلامي من الضياع ومحاولات التشويه والنسيان أوجز فيها بإظهار معاناته وعظم المسؤولية التي تحملها لإيصال هذه الأمانة، قائلاً " كم كانت الطريق الذي كنت أمشي فيه وعراً  لا أتبين فيه المعالم والصور، وكثيراً ما تراءى لي أمام المصاعب و العقبات أن أنقص على عقبي ولكن بإيماني برحمة الله وعونه، وإحساسي بأهمية المسؤولية التي تحملتها أمام العالم الإسلامي خاصة، وأمام تاريخ العلوم الإنسانية، يدفعان بي بعزيمة متجددة وصبر لا ينفذ". 

ولد سزكين بولاية "بتليس" جنوب شرقي تركيا عام 1924م وتدرج في الحياة العلمية حتى حصل على درجة الماجستير عام 1947م، في أقسام الشرقيات والرياضيات والدراسات الرومانية بجامعة إسطنبول، ثم حصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإسلامية والدراسات الإيرانية والفلسفة سنة1950م.

بسبب المناخ الأتاتوركي وحقبة الإنقلابات العسكرية أجبر سزكين مع العشرات من الأكاديميين في جامعة إسطنبول على الهجرة إلى خارج البلاد، فستقر به المقام في ألمانيا عام 1960م، و أصبح أستاذاً لتاريخ العلوم الطبيعية في جامعة فرانكفورتحت ١٩٩٠م. وقد أسس معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية في جامعة فرانكفورت سنة ١٩٨١م، وأصبح مديره الفخري منذ ذلك الوقت.

يوم السبت 30/6/2018م أعلنت السلطات التركية وفاة فؤاد سزكين في مستشفى إسطنبول،وتعقيباً على وفاته، قال رئيس مجلس الإدارة ومجلس الأمناء في وقف أبحاث تاريخ العلوم الإسلامية، مجد جتين قايا، إن سيزغين أحد أبرز المؤرخين والعلماء على مستوى تركيا والعالم، حيث ترك لتركيا مكتبة ومتحفا لا يقدران بثمن.

يعد سيزغين أحد طلاب المستشرق الألماني هلموت ريتر، الذي أقنعه بدراسة التاريخ الإسلامي، حيث بدأ بتعلم اللغة العربية، وحصل على الدكتوراه في 1954 بأطروحة "مصادر البخاري". من أبرز الكتب و الدراسات التي نشرها سزكين بحث للدكتوراه بعنوان "دراسات حول مصادر البخاري" في 1956.

وفي 1965، قدّم سيزغين أطروحة دكتوراه ثانية عن عالم الكيمياء العربي جابر بن حيان، وحصل على لقب البروفيسور بعد عام، وتزوج بعد فترة وجيزة المستشرقة أورسولا سيزغين.

وقبل وفاته، كان سيزغين يواصل كتابة المجلد الـ 18 من "تاريخ التراث العربي" الذي صدرت أولى مجلداته عام 1967، ويعد أوسع مؤلف يتناول تاريخ البشر. ضخامة الحصيلة اللغوية التي بلغت 27 لغة أجادها سزكين بما فيها العربية و العبرية و الألمانية و اللاتينية مكنته من مواصلة سجله العلمي والبحثي حتى أنشأ عام 2010 وقف أبحاث تاريخ العلوم الإسلامية.

رغم عدم قيام الإعلام العربي والإسلامي تسليط الضوء على الشخصيات أبدعت في الحفاظ على التراث الإسلامي ومحاولات التشكيك فيه، إلا أن سزكين كان حاضراً بقوة عند الكثير من المؤسسات الإسلامية و العربية فقد حصل على العديد من الجوائز والأوسمة تقديراً لجهوده العلمية، فقد كرم في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومجمع اللغة العربية بدمشق، ومجمع اللغة العربية في بغداد، وأكاديمية العلوم في تركيا.

وتوج بالدكتوراه الفخرية من قبل جامعات عديدة، مثل "أتاتورك" في ولاية أرضروم التركية، و"سليمان ديميرال" في ولاية إسبارطة، وجامعة إسطنبول، فضلا عن درع تكريم "Frankfurt am Main Goethe"، وميدالية الخدمة الاتحادية للدرجة الأولى بألمانيا، والجائزة الرئاسية الكبرى للثقافة والفنون في تركيا.

وحصل البروفيسور سزكين على وسام الشرف من الدرجة الأولى، ووسام الشرف التقديري الكبير من جمهورية ألمانيا الاتحادية وميدالية جوته من مدينة فرانكفورت، إضافة إلى أنه أول فائز بجائزة الملك فيصل العالمية في الدراسات الإسلامية، وذلك تقديراً لجهوده العلمية في تأليف كتابه الموسوعي الضخم "تاريخ التراث العربي" الذي أبرز فيه جهود العلماء المسلمين في مجالات الحضارة الإسلامية المختلفة وخاصة في الأجزاء الثالث والرابع والخامس التي خصصها لبحث تراث العلماء المسلمين في الطب والصيدلة والبيطرة وعلم الحيوان والكيمياء والزراعة والنبات والرياضيات.