التجربة الإيرانية تجربة أكثر تعقيداً من محاولة فهمها بمتابعة الاحتجاجات اليومية الواردة عبر وكالات الأنباء أو نشطاء الإعلام الاجتماعي، فالنظام الإيراني الحاكم بزعامة المرشد علي خامنئي رغم قدومه بهوية دينية لإقتلاع نظام علماني يحكم البلاد منذ عقود إلا أن نهايته ستكون لنفس الأسباب وهي انتشار الفساد دخل البلاد.

لأول مرة منذ عام 1979م وهو العام الذي سقط فيه حكم الشاه محمد رضا بهلوي في إيران، يغلق بازار طهران الكبير أبوابه ويقود التجار مظاهرة إلى البرلمان إحتجاجاً على الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد. قد يذهب البعض إلى الحديث عن دور الأقليات العرقية والدينية مثل السنة في الإحتجاجات التي تواصلت منذ أكثر من عام في مدن إيرانية مختلفة ضد النظام، لكن ذلك الأمر له وجهة أخرى لأن الفرس هم المحرك الرئيسي لأي تركيبة سياسية معلق مصير النظام الإيراني الحالي بيدها.

إن السبب الحقيقي في خروج التجار إلى الشارع للتظاهر ضد النظام الإيراني كان لفقدان الريال الإيراني لـ50% من قيمته منذ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نيته إلغاء الاتفاق النووي مع إيران وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية عليها. بلغ سعر الصرف الرسمي للريال الإيراني بالتزامن مع المظاهرات الأخيرة 24.80 ريالاً مقابل الدولار الأمريكي بينما يباع في السوق السوداء بقيمة 90 ألف ريال.  هذا الأمر تسبب في تضخم مفرط وانتشار أزمة إقتصادية خانقة في البلاد.  أزمة الريال الإيراني يراها المتظاهرين في طهران نتاج خليط من الأسباب الداخلية والخارجية وأبرزها استنزاف موارد البلاد في دعم مليشيات مسلحة هنا وهناك حتى حمل بعضهم لوحات كتب عليها "اتركوا سوريا وحدها.. فكروا فينا" .. بالإضافة إلى ذلك الملف اتهم العديد من المحتجين مسؤولي النظام بسرقة المال العام ونشر الفساد في قطاعات الدولة.

الرئيس حسن روحاني الذي يرى الإيرانيين أنه فشل في إستثمار الفترة التي رفع فيها الحصار بشكل جزئي عن البلاد منذ توقيع الاتفاق النووي عام 2015 لتحسين إقتصاد البلاد في خطاب متلفز حمل الولايات المتحدة المسؤولية عن الأزمة الاقتصادية التي تعيشها بلاده، وقال إن المظاهرات نتجت بسبب وجود دعاية أجنبية تحرض على الحكومة.  وفي تصريح يدلل على عمق الأزمة أشار في خطابه إلى أن حكومته ستتجاوز الأزمة وستوفر السلع الأساسية مثل الزيت والسكر والدقيق للمواطن الإيراني!. وزارة الصناعة و التجارة قالت إنها ستمنع إستيراد أكثر من 13000 منتج للتخفيف من التضخم.

سلسلة إجراءات تسببت في الضغط على الاقتصاد الإيراني بعد إنسحاب واشنطن من الاتفاق النووي وفرضها عقوبات على الشركات الأوروبية التي ذهبت للإستثمار هناك، أبرزها التضخم والبطالة وخفض الإنفاق الحكومي وزيادة وتيرة الفساد وتباطئ النمو. حذر صندوق النقد الدولي من أن إنسحاب ترامب من الصفقة النووية وإعادة فرض العقوبات من شأنه أن يهدد النظام المصرفي الإيراني بأكمله.

في المرات السابقة كانت الإحتجاجات تخرج في المدن الصغيرة لكن في المرة الأخيرة كان التركيز على العاصمة طهران بالإضافة إلى مشاركة فئة التجار الذين يعتبرهم النظام الإيراني جزء من أدواته في الحكم.

يقول رئيس منظمة حماية البيئة الإيرانية (إيبو) عيسى كالانتاري إن بلاده بها 10 مدن رئيسية تواجه درجة تلوث خطيره للغاية، لقد دفنت مجاميع النفايات ثلاث محافظات وتم استنزاف المياه الجوفية بشكل كبير الأمر الذي تسبب بهبوط الأرض 10 امتار في همدان.

بدوره يؤكد عباس ميلاني، مدير الدراسات الإيرانية في جامعة ستانفورد، أن هذه المظاهرات مختلفة، لقد كانت دائماً البازارات والطبقة العاملة هي مركز التغيير على مدى مائة عام من تاريخ إيران.

أصبح يتحكم في البلاد هياكل لعصابات إجرامية مختلفة تسيطر على الاقتصاد في قطاعات السيارات والسكر والعملة الصعبة وحتى نوادي كرة القدم، هناك شخصيات رفيعة متورطة في قضايا إختلاس، إلى جانب الفجوة الضخمة في الدخل ما بين الأغنياء والفقراء.

بحسب إعتراف وزارة المالية الإيرانية فإن 25% من الشركات المشاركة في الناتج المحلي لا تدفع الضرائب. تقول إحصائية لصندوق النقد الدولي إن قيمة الاقتصاد السري للبلدان النامية يصل في بعض الأحيان إلى 44% من الناتج المحلي الإجمالي، أما بالنسبة لإيران فقد يبلغ 36% من الناتج المحلي الإجمالي. فقد صنفت منظمة الشفافية الدولية إيران في المرتبة 130 من أصل 180 بلداً على مؤشر مدركات الفساد للعام 2017.

من أبرز قضايا الفساد المعروفة في إيران ملف إنشاء مؤسسة خيرية معفاة من الضرائب أنشأها الشاه بهلوي عام 1958م وكانت تمتلك أصول العائلة حيث قدرت في تلك الفترة بــ3 مليارات دولار، لكن عام 1979م بعد الثورة تم الإستيلاء على المؤسسة وأعادت تسميتها إلى جمعية بونياد موستازافان "مؤسسة المضطهدين أو المعوزين"، وتضاعفت ممتلكاتها الاقتصادية أكثر من الضعف بعد مصادرة ممتلكات 50 مليونير وإضافتها إلى الوقف. واليوم، تعدّ واحدةً من أكبر الشركات التجارية في إيران وواحدةً من أكبر الشركات القابضة في الشرق الأوسط.

أبرز الكيانات الاقتصادية التي يستخدمها النظام الإيراني لتثبيت وجوده، هي  لجنة إمداد الإمام الخميني، والحرس الثوري الإيراني، ومؤسسة الشهيد، ومؤسسة آستان قدس رضوي، ومنظمة الباسيج المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. فالمحسوبية تجلب الولاء للنظام، والأهم من ذلك، للمرشد الأعلى علي خامنئي. فعلى سبيل المثال، عندما تم كشف النقاب عن قضية اختلاسٍ بقيمة 2,5 مليار دولار- التي تعدّ الأكبر في تاريخ البلاد- في عام 2011، طلب المرشد الأعلى من وسائل الإعلام عدم التطرق للقضية.

يعتمد النظام الإيراني على عدة إجراءات للتحايل على العقوبات الدولية أبرزها تهريب السلع، وهي جزئية مهمة في الاقتصاد السري لإيران يديرها الحرس الثوري الإيراني، ففي عام 2016، بلغ الحجم الإجمالي للسلع المهربة إلى إيران 15,5 مليار دولار، وفقاً لقاسم خورشيدي، المتحدث باسم الإدارة المركزية لمكافحة تهريب السلع والعمل الأجنبية.

كشف تحقيقٌ أجرته رويترز لمدة ستة أشهر أن المرشد الأعلى يسيطر على "إمبراطورية مالية" تبلغ قيمتها حوالي 95 مليار دولار لا يشرف عليها البرلمان، وهو رقم أعلى بكثير من الثروة المقدرة للشاه الراحل.

قد يكون الاقتصاد عامل مهم في تركيع النظام الإيراني وجره إلى تغيير شروط الاتفاق النووي الإيراني، وهذا الأمر أكده السفير السابق للإدارة الأمريكية في العراق وأفغانستان، زلماي خليل زاد، لكن ذلك لن يؤثر على أنشطة المسلحة في الخارج.

إيران تعرضت لضغط عسكري صهيوني لإخراجها من الحدود الجنوبية لسوريا وهذا الأمر وافقت عليه روسيا مقابل عدم خسارة وجودها السياسي والاقتصادي في سوريا، لكن ذلك سيكون خسارة جزئية لإيران في حال استمرت تعتمد على الاقتصاد العراقي لتمويل مليشياتها المسلحة، فقد دمرت مليشيات الحشد الشعبي الموالية لها في العراق مصافي النفط العراقية لإجبار الحكومة على توقيع إتفاقية لتكرير النفط في المصافي الإيرانية. بالإضافة إلى تجارة الأفيون التي ترعها في أفغانستان وتوفر لها خطوط تهريب، فالنظام الإيراني الذي يمول أنشطة إرهابية في العالم الإسلامي عبر دعم المليشيات الشيعية المسلحة سيحاول دائماً تدعيم الاقتصاد الغير مشروع لتوفير دعم وتمويل لأنشطته، لأنه يعتبر أن منهجية تصدير التشيع والهيمنة الفارسية على المنطقة غاية وجوده.