تعتبر القدس، هي الأساس للمشروع الصهيوني الاستيطاني التهويدي العنصري، وبدونها لا يكون لهذا المشروع البغيض، أية قيمة، من وجهة نظر الحركة الصهيونية، التي انبثقت من رحم الفكرة المحددة للدولة اليهودية، التي طرحها هرتزل (1840- 1904)، مؤسس القومية اليهودية، أثناء انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول، بمدينة بازل بسويسرا، في أغسطس 1897، والذي كانت عملية تهويد القدس من أهم النقاط التي ركز عليها المؤتمرون الصهاينة في بيانهم الختامي لذلك المؤتمر، وقد عبّر عن ذلك، فيما بعد، الهالك بن جوريون، أول رئيس وزراء صهيوني، والأب الروحي للسفاح أريل شارون، بكل صراحة ووضوح، عندما قال:" لا معنى لإسرائيل بدون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل".

فالقدس، كانت ولا تزال، هي عامل الجذب والاستقطاب ليهود العالم، للهجرة إلى أرض الميعاد (فلسطين)، والاستيطان فيها بعد تشريد أهلها منها واقتلاعهم من جذورهم، وهي أهم أسباب تلاحم يهود العالم، وتكاتفهم لدعم هذا المشروع، والالتفاف حول الحركة الصهيونية، التي تدعي امتلاك حق تمثيل إرادة الشعب اليهودي، موحد القومية بزعمهم، لأن القدس، مدينة مقدسة لدى اليهود، وهي بنظرهم، مدينة النبي داود، وعاصمة مملكتهم القديمة، التي بها هيكلهم المزعوم، والعديد من المعالم الأخرى المقدسة لديهم، ومنها جبل صهيون، الذي استمدوا منه، اسم حركتهم (الصهيونية).

وكل ذلك، وفقا لديانتهم الكهنوتية، وتوراتهم المزيفة. وحول القدس تتمحور ترسانة أساطير اليهود، وخرافاتهم التلمودية، تلك الأساطير والخرافات التي يقوم عليها، الفكر الصهيوني، والتي يصرّ الصهاينة، على استثمارها في دعاياتهم، وفرضها واقعا، ينطلق منه كل موقف وعمل.

ونظرا لما تمثله القدس من أهمية دينية وإستراتيجية في المشروع الصهيوني، ولكون الهدف الحقيقي للصهيونية، هو السيطرة على فلسطين كلها، وجلب يهود العالم اليهود إليها، واعتبارها، بالتالي، قاعدة للهيمنة على المنطقة، التي سموها "الشرق الأوسط"، مع اعتبار القدس عاصمتها الأبدية، فقد بادر الصهاينة، خلال حرب 1948، باحتلال شطرها الغربي، ولذلك أيضا، ورغم أن القدس القديمة، لم تكن داخلة في القسم، الذي خصصته الأمم المتحدة، لإسرائيل، في قرار التقسيم، إلا أن الحكومة الصهيونية، لم تعتبرها منفصلة عن الدولة اليهودية، بل اعتبرتها، جزءا منها، من أول الأمر.

وقد تجسدت هذه الحقيقة في مفاوضات السلام المزعومة، بين الصهاينة، ومنظمة التحرير الفلسطينية، والتي انطلقت، عام 1993، فقد أظهرت تلك المفاوضات، مدى تشبث الصهاينة، ومن ورائهم الأمريكان، بالقدس، ولذلك لم يتم النص في أي اتفاق أو مذكرة تفاهم، مع منظمة التحرير، على أن للفلسطينيين، حقوقا في القدس، ولا وعدوا حتى مجرد وعد، بأنه سيتم التفاوض حولها لاحقا، بل بالعكس، فقد أكد الصهاينة، مراراً وتكرار على أنَّ القدس غير خاضعةٍ للمفاوضات، وعلى أنها ستبقى العاصمة الموحدة والأبدية "لإسرائيل"، لأن حقهم فيها حق أزلي، غير قابل للنقاش أو التفاوض.

وهذا الموقف نفسه، هو موقف الإدارة الأمريكية، والذي تبلور في عهد الرئيس الأمريكي رولاند ريجان (1982-1988)، فقد عبّر كلينتون، في مارس 1994، عن معارضته، أي إشارة إلى القدس باعتبارها محتلة، وأنه يدعم موقف «إسرائيل» منها باعتبارها عاصمتها الأبدية. 

وهذا الموقف إنما يأتي كتأكيد لموقف مجلسي الشيوخ والنواب الأمريكيين، من القدس، وهو موقف أزداد اتساعا وتشددا، مع تعاظم دور التيار المسيحي المتصهين، في الولايات المتحدة، والذي يعتبر دعم اليهود فرض ديني على كل مسيحي. وذلك رغم التنازلات الهائلة والمذلة، التي قدمها لهم عرفات، ومنظمة التحرير.

ومن هنا، فنحن نرى أن قرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في مايو 2018، لم يكن قرارا عشوائيا أو ارتجاليا أو مثيرا للجدل، أتخذه الرئيس الأمريكي الحالي الغريب الأطوار، ترامب، ولم يكن كذلك، تعبيرا عن خضوع هذا الرئيس لجماعات الضغط اليهودية، في الولايات المتحدة، كما يزعم البعض، وإنما هو قرار مدروس، اتخذه هذا الرئيس عن قناعة وإيمان، وفي التوقيت المناسب، وهو يأتي في سياق التطور الطبيعي لموقف اليمين المسيحي المتصهين، في الولايات المتحدة الأمريكية، من قضية القدس بخاصة، وقضية الصراع العربي الصهيوني بعامة، والنابع أساسا من خلفية دينية، لدى هذا التيار، والذي رقص فرحا لهزيمة العرب واجتياح الصهاينة للقدس الشرقية في حرب يونيو 1967 وهلل، وقتذاك، لما يسمى توحيد المدينة المقدسة، وبالتالي، الاقتراب من تحقيق الحلم اليهودي، المتمثل في قيام "إسرائيل التوراتية"، المؤذنة بتحقيق النبوءة التوراتية المتمثلة في عودة المسيح عليه السلام، لأن شرط عودته هو وجود دولة يهودية في فلسطين، وعاصمتها القدس. كما أنه أعتبر احتلال الصهاينة للقدس دليلا على دقة الكتاب المقدس وصحة مضمونه.

 هذا التيار، الذي بات يهيمن على سياسة الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة، منذ انتخاب الرئيس الأمريكي اليمني دونالد ريجان عام 1982، وبات له نفوذ قوي في الكونجرس، والمؤسسات الحيوية للدولة الأمريكية، مثل وزارة الدفاع (البنتاجون) ووزارة الخارجية، وزارة الخزانة، ومجلس الأمن القومي، وغيرها من المؤسسات المناط بها اتخاذ القرارات المصيرية في الولايات المتحدة، فضلا عن سيطرته الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، والعديد من مراكز الأبحاث، وهو التيار ذاته، الذي قاد الولايات المتحدة، لاجتياح بلدين إسلاميين وتدميرهما سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وحضاريا، تحت لافتة "مكافحة الإرهاب"، ألا وهما أفغانستان في عام 2002، والعراق في عام 2003، وفرض نظام عميل في كل منهما، موال للولايات المتحدة، وابنتها اللقيطة المدللة (إسرائيل).

ولذلك، فإن القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي الحالي ترامب، والمتمثل في نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، والمؤجل منذ عام 1995، وهو العام الذي صادق فيه الكونجرس الأمريكي على قانون النقل بأغلبية كبيرة من الجمهوريين والديمقراطيين، يعتبر انتصارا لموقف هذا التيار المسيحي البروتستانتي الأمريكي، بل انتصار لموقف الرئيس ترامب نفسه، وموقف مستشاريه، لكونه يعتبر، ومستشاريه المقربين، من أبرز رموزه، في الولايات المتحدة، في الوقت الحاضر.

وذلك قبل أن يكون هذا القرار، انتصارا لسياسة الحكومة الصهيونية العدوانية في تل أبيب، والمتمثلة في إلغاء حل الدولتين، وتكريس الاحتلال وترسيخه، بكل جوانبه وأبعاده، والسيطرة على المدينة المقدسة كلها، وفرض الطابع اليهودي عليها، ولو أدى ذلك، إلى تشريد أهلها منها، وإزالة معالمها الإسلامية، وتزوير تاريخها، خصوصا بعد أن أصبحت غالبية الرأي العام الأمريكي، جاهزة ومستعدة لتقبّل هذا القرار.

فقد أظهرت بعض استطلاعات الرأي العام في الولايات المتحدة، انخفاض نسبة الأمريكيين المعارضين لهذا القرار من حوالي 62% عام 2001، إلى حوالي 40% ، في عام 2017، ما يعني أن غالبية الأمريكيين صاروا يؤيدون القرار، أو لا شأن لهم به.

وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على تزايد شعبية وقوة هذا التيار اليميني المؤيد للكيان الصهيوني بشكل مطلق وبلا شروط، ولأسباب دينية، في المجتمع الأمريكي، من جهة، واتساع النزعة العدائية ضد العرب بخاصة والمسلمين بعامة، وكل ما يرمز لهما، في المجتمع الأمريكي، بل في المجتمعات الغربية كلها، من جهة أخرى، وكون 87% من أراضي القدس الشرقية، أصبحت تحت السيطرة الصهيونية التامة، بعد أن كانت كلها تحت سيطرة الفلسطينيين، قبل عام 1967، من جهة ثالثة.