ظهر مصطلح " الحكم الراشد " منذ عقود ثلاثة تقريبا في الأدبيات السياسية والتنموية والاقتصادية ، من أجل إعطاء حكم قيمي على ممارسات السلطة السياسية ونظم الحكم في إدارتها لشؤون المجتمع ، وقد ارتبط في نشأته بمصطلح  الحوكمة Governance ، أو إدارة الدولة والمجتمع ، وهو يأخذ في هذا الصدد بعدين : الأول يتعلق بالجوانب الإدارية والاقتصادية للمفهوم ، والثاني : يؤكد الجانب السياسي والقيم الديمقراطية السائدة في الدول الغربية ، وتطور لكي يغطي مفهوم دور الدولة بوصفها ممثلا شرعيا لمواطنيها ، كي تسعى إلى رخائهم ، ومن أجل دعم العلاقات بين الحكم والشعب،وتفعيل قيم مهمة مثل : النزاهة والرقابة والحساب.

     هذا ، ويتنازع " مصطلح " الحكم الراشد " مع مصطلحات أخرى مثل " الحكم الصالح"، من نواحي النعوت اللغوية بفروقها الدلالية ، وقد نشأ المصطلح في الأساس في الأدبيات الاقتصادية والإدارية، حيث نشأ بداية في العام 1748م ، واستعمل لفترات طويلة للتعبير عن الحكومة نفسها وفي التعبير عن أسلوب توجيه الإدارة والحكم ( Gubernare ) ، ثم تطور لاحقا ، مع تنامي ظاهرة العولمة للتعبير عن كيفية تيسير أعمال الحكومات في النظام الاجتماعي في تحقيق مطالب المجتمع في الديمقراطية  ، كما شاع كمفهوم في أدبيات السياسة والاقتصاد والتنمية المستدامة ، والتي تهدف إلى الارتقاء بحياة الإنسان و حماية البيئة وصيانة الموارد ، وحسن استغلالها، دون استنزاف الموارد الطبيعية ، مما يؤدي إلى الفشل في عملية التنمية نفسها، ولهذا يعتبر جوهر التنمية المستدامة هو التفكير في المستقبل وفي مصير الأجيال القادمة، وفي نفس الوقت بهدف تغيير مستمر ومناسب في حاجات وأولويات المجتمع وذلك بإتباع طريقة تلائم إمكانياته وتسمح بتحقيق التوازن الذي بواسطته يمكن تفعيل التنمية بشكل عام، وفي نواح متعددة تشمل مختلف أوجه الحياة في الفرد والجماعة .

    فكيفية إدارة الدولة والمجتمع هي المحدد الأساس للتنمية الاقتصادية الادلة ، والقابلة للاستمرار ، وهي أيضا مكون رئيسي لأية سياسات اقتصادية ناجحة ، ويرتبط بها أيضا أساليب الجودة ونوعيتها ، وتبني فكرة الكفاءة والفاعلية داخل المنظمات الحكومية وغيرها من منظمات القطاع الخاص.

   فهو يلتقي  مع بروز مفاهيم جديدة في المشاركة والتكافؤ وبناء المجتمع المدني، والاقتناع بأهمية مشاركة الناس في مجتمعهم بشكل فاعل ، عبر تطوير آليات الممارسة في المجتمع المدني ، وأيضا دعم المؤسسات المعنية بنهضة المجتمع، وحفز الناس على الإبداع والرقابة على حكوماتهم ، وأن تحتفي بمختلف المبادرات والآراء والأفكار ، التي تصدر من أفراد الشعب وجماعاته ومنظماته ، ودعم مبدأ حق جميع الناس في الارتقاء الاجتماعي وتحسين أوضاعهم دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو الفئة أو الشريحة الاجتماعية أو اللون ، واحترام مبدأ المساواة والاندماج الاجتماعي ، عبر منظومة من القوانين التي تدعم العدالة وتكافؤ الفرص، وأن القانون يطبق على الجميع ، انطلاقا من حقوق الإنسان المكفولة.

    فالحكم الرشيد بات معبرا عن الإدارة الجيدة للدولة والمجتمع Good Governance ، بربط الجوانب السياسية والإدارية خصوصا النظام الديمقراطي، وما يجب في قضايا الإصلاح الإداري ، وتقليص الإسراف والإهدار الحكومي ، وتشجيع اللامركزية ، وتعظيم دور المنظات غير الحكومية.

    كما اتسعت دلالته ليشمل ما يسمى " الحكومة المنفتحة " التي تسعى إلى تطبيق المساءلة والشفافية والديمقراطية ، وكلها مفاهيم سياسية اقتصادية تنموية، من أجل الارتقاء بمستوى معيشة الإنسان ، عبر وجود مؤسسات مجتمعية وحكومية تسعى إلى الاستجابة لحاجات المواطنين ، ودعم منظومة العدالة الاجتماعية ، بما يؤدي إلى تعزيز ثقة الشعب في حكومته وفي القائمين عليها ، ويجعلهم يحصلون على خدمات جيدة ، ودفعهم إلى المشاركة الفاعلة في صنع القرار السياسي ، وفي عملية النهضة كلها ، مما يقتضي وجود قوانين تدعم مشاركة الناس في الحياة المدنية والسياسية ، وتوفر لهم أطرا وقنوات في التواجد والتعبير عن الآراء والتطلعات ، من أجل دعم الثقة في حكومتهم المعبرة عن تطلعاتهم ، والمستجيبة لآرائهم ، وتعتمد المبادئ الثلاثة في الحكم الرشيد القائمة على : الانفتاح ، المساءلة، الشفافية، وما يستتبع ذلك من محاربة الفساد ، وتيسير حرية المعلومات والإعلام . ومن أجل ذلك، لابد من وجود منظومة متكاملة من أجل نجاح تجربة الحكم الرشيد، تشمل : سيادة القانون ، سرعة الاستجابة للمطالب الاجتماعية ، والأفكار الجديدة ، التوافق ، الإنصاف ، الشمولية ، الفاعلية والكفاءة ، وقبل ذلك وجود رؤية واضحة للدولة والحكومة، تقوم على التنمية الشاملة ، المستثمرة لموارد الدولة البشرية والطبيعية   ومن المهم إدراك أن الحكم الرشيد يعتمد على وجود استراتيجية لدى صانع القرار في الدولة تأخذ في حسبانها مبادئ وسبل وآليات الحكم الرشيد ، وتكون رؤيته نابعة من واقع الدولة ذاتها ، والمعطيات الاجتماعية والاقتصادية ، في ضوء ثقافة المجتمع ذاته وتوجهاته ، بما يؤدي في النهاية إلى الاتفاق على خيارات واحدة لمستقبل الوطن ، ونهضته.

    في ضوء ما تقدم حول الحكم الراشد أو الرشيد أو الصالح ، فإننا نجد أنفسنا إزاء رؤية جلية ليست للحكم وإنما للنهضة والتنمية ، وهذا هو الجديد الذي يقدمه الحكم الراشد ، فالكثيرون يتنازعون أشكال الحكم الواجب اتباعها ، ولكن الحكم الراشد لا يعتني بالأشكال ولا بالقوالب ، وإنما يعتني بالأسس والمآلات ، فالأسس تشمل القيم السياسية والاجتماعية والمدنية والاقتصادية والثقافية التي يجب أن تتوافر في أي نظام حكم حتى يمكن أن نطلق عليه حكما راشدا ، وتلك هي المعايير التي يمكن أن نصم بها أي حكم بالرشد إن توافرت فيه . وفي هذا الصدد ، لا تخدعنا حريات معلنة ومتوافرة في مجتمع ما ، ولكن لا توجد قوانين رادعة للفاسدين ، أو تغيب منظومة ترعى الموهوبين ، وتستمع إلى آراء الناس ومتطلباتهم .

   هذا ، ومن المهم تأصيل مصطلح الحكم الراشد Good Governance في البنية المعرفية العربية والإسلامية ، فهذا من شأن تأصيله بإيجاد تربة له من القبول لدى النخب المثقفة والعامة بكافة تنوعاتهم واتجاهاتهم ، لكي لا يظل نبتا جديدا ، قد لا يجد له جذورا ، فيتم نبذه تحت دعاوى مختلفة ، بكونه أجنبيا ، وأن لدينا ما يغنينا ، ونستطيع أن نطور ما عندنا بدلا من الإتيان بالجديد  .. إلخ .   فمزايا الحكم الراشد أنه يوفر قيما واضحة ، ومبادئ واجبة التطبيق ، وآليات وإجراءات محددة ، مع شمول استراتيجيته وأبعاده .