قبيل الغزو الأمريكي – البريطاني للعراق عام 2003، اتفق المحللون العسكريون والسياسيون، في أن العراق ساقط لا محالة، بأيدي القوات الغازية، لأن الإدارة الأمريكية كانت قد مهدت لذلك منذ غزوها الأول للعراق في عام 1991، وهو الغزو الذي لم يتوقف طيلة ثلاثة عشر عاما، مع ما رافق ذلك من حصار اقتصادي خانق على العراق، واختراق استخباراتي خطير، من خلال لجان التفتيش على الأسلحة الكيماوية، وعلاوة على ذلك كانت الإدارة الأمريكية، قد حشدت من القوات واتخذت من الترتيبات والاستعدادات، ما يجعل من سقوط العراق بأيدي القوات الأمريكية، تحصيل حاصل . ومن ذلك أنها قامت بالتنسيق مع حكومة ولاية الفقيه في إيران والأحزاب والمليشيات التابعة لها، والتي عملت على نخر وتفكيك الجسد العراقي من الداخل. ناهيك عن تنسيقها مع الحزبين الكرديين في شمال العراق إلى جانب قيادات أخرى سياسية وعسكرية ..

ثلاثة احتمالات للمعركة الفاصلة

ولذلك كله فلم يكن ثمة شك لدى المحللين من سقوط العراق . لكن الخلاف كان حول المعركة الفاصلة التي ستحدث بين الطرفين قبل السقوط . وكان هناك ثلاثة احتمالات للمكان الذي ستقع فيه هذه المعركة الفاصلة.

  فبعض الخبراء العسكريين، قال بأن المعركة الفاصلة، بين الجيش العراقي والقوات الغازية، ستكون جنوب البصرة، أثناء عملية الاجتياح البري للعراق، انطلاقا من صحراء الكويت، نظرا لخبرة الجيش العراقي الكبيرة في المواجهات البرية التي اكتسبها من حربه الطويلة  مع إيران، على مدى ثماني سنوات (1980- 1988 ) .

وفريق ثان من الخبراء، أشار إلى أن المعركة الفاصلة ستكون على أطراف بغداد، لأن بغداد هي العاصمة السياسية للعراق، ولذلك فإن النظام العراقي سيحشد معظم قواته وفي مقدمتها الحرس الجمهوري للدفاع عنها، وكذلك بالنسبة للقوات الغازية، فالمعركة هنا ستكون مهمة جدا للطرفين، لأن سقوط العاصمة بغداد معناه سقوط العراق.

وهناك فريق ثالث من المحللين العسكريين، ذهب إلى القول بأن المعركة الحاسمة بين الجيش العراقي والقوات الغازية، ستكون في تكريت، لأنها مسقط رأس الرئيس صدام حسين، وكثير من القيادات العسكرية والسياسية البعثية. وتنمي إليها أكثر قوات الحرس الجمهوري، اليد الضاربة للنظام العراقي.

وفي 19مارس 2003 ابتدأ الغزو الجوي للعراق تلاه بعد أيام قلائل الاجتياح البري . وتقدم الجيشان الأمريكي والبريطاني، إلى المدن العراقية الجنوبية مثل السماوة والناصرية والنجف والبصرة، في غضون أيام قلائل، ولم تكن هناك معركة برية كبيرة، ولم يخض الجيش العراقي، أي معركة حقيقية في الجنوب ، كما كان متوقعا، باستثناء صموده في قرية أم قصر الساحلية لأيام معدودة.

ذلك أن انعدام الغطاء الجوي لدى العراق قد جعل القوات العراقية مكشوفة للغارات الجوية الأمريكية والبريطانية المتواصلة دون توقف، وهو ما أدى إلى تدمير الكثير من قطاعات ومعدات وأجهزة اتصال تلك القوات، وقطعت خطوط إمداداتها وبعثرتها، وشلت قدرتها على الحركة والنظام، وبصورة سمحت بتسرب الكثير من الأفراد من صفوفها.

والمهم أنه مع تواصل القصف الجوي العنيف واستمرار التوغل البري للقوات الغازية فقد استمرت انكسارات الجيش العراقي، حتى فوجئنا بسقوط بغداد في 9أبريل 2003 على ذلك النحو السهل الذي شهده العالم، وبعد ذلك بأيام تقدمت القوات الأمريكية فاحتلت تكريت دون مقاومة تذكر. وشكل ذلك صدمة كبيرة لكل الذين راهنوا على الجيش العراقي وخاصة الحرس الجمهوري.

وهكذا سقط العراق برمته دون أن يخوض الجيش العراقي أي معركة حاسمة ضد القوات الغازية لا في الجنوب ولا في بغداد ولا في تكريت، حيث توقعها أن تكون الخبراء والمحللون العسكريون الغربيون.

الفلوجة ترفع راية الجهاد

وفي غضون ذلك ، وصلت الغطرسة الأمريكية إلى ذروتها، وكان وزير الدفاع الأمريكي اليميني المتطرف دونالد رامسفيلد يظهر على شاشات القنوات الفضائية كالطاووس لفرط تيهه وغروره بالإنجاز الضخم الذي حققه جيشه بأقل الخسائر.

ولم يكن دونالد رامسفيلد ولا غيره من العسكريين والسياسيين الأمريكيين يتوقعون أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد، وأن هناك هزيمة مخزية تنتظر جيشهم في مكان لم يحسبوا حسابه، ولم يدر بخلد أي من المخططين أو المحليين العسكريين والسياسيين، مكان لم يسمع به من قبل سوى القليلون جدا جدا بما في ذلك نحن العرب، ألا وهو الفلوجة، تلك المدينة الصغيرة في غرب بغداد، والتي لا يتجاوز سكانها ثلاثمائة ألف نسمة.

وإنها لحكمة إلهية بليغة أن يكون إذلال الإدارة الأمريكية اليمينية، والهزيمة المخزية لقواتها الغازية على يد هذه المدينة الصغيرة التي لم يكن قد سمع بها أحد من قبل، وليس في بغداد أو تكريت، ولا غيرهما من كبار مدن العراق.

ذلك أن هزيمة القوات الأمريكية على أبواب بغداد أو تكريت مثلا لم يكن سيعرض الإدارة الأمريكية وقواتها المحتلة للعراق لنفس الإحراج ولنفس الخزي والعار مثل الذي ستترتب عليه هزيمتهم على أبواب هذه المدينة الصغيرة، لأن هزيمتهم على أبواب بغداد أو تكريت كان سيفسر - من قبل آلة الدعاية الأمريكية الضخمة - على أن الأولى عاصمة العراق ، وعلى أن الثانية مسقط رأس النظام العراقي، ولذا فإن القوات العراقية متمركزة فيهما، مما قد يهون من وقع الهزيمة، بعكس وقوع هذه الهزيمة على أبواب الفلوجة المدينة الصغيرة، وذلك قد كان.

فقد استعصت مدينة الفلوجة الأبية على قوات الاحتلال ورفعت راية المقاومة منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها أقدام المحتلين الأمريكيين وحلفائهم تراب العراق . واستمرت تسدد لهم الضربات الموجعة تلو الضربات الموجعة واستمرت المقاومة تصعد من ضرباتها حتى استدرجت القوات الأمريكية إلى المعركة الحاسمة ، وذلك في 9أبريل 2004، أي في نفس اليوم الذي سقطت فيه بغداد وكانت أمريكا يومئذ تستعد للاحتفال بالذكرى الأولى لسقوط بغداد ووقوع العراق كله فريسة لها. وكانت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الصغير، قد رتبت لتجعل من هذه المناسبة حدثا إعلاميا ضخما، وعيدا للزهـو والفخر والتباهي، وإفحام الخصوم والمعارضين لسياسة الرئيس جورج بوش الصغير في العراق، فإذا بهذا اليوم يتحول إلى كابوس رهيب بالنسبة للإدارة الأمريكية .

فيومئذ هبّت قوات مشاة البحرية الأمريكية) المارينز( بأقوى ما لديها من ترسانة أسلحة لاستباحة مدينة الفلوجة الصغيرة، وهدمها على رءوس أهلها، انتقاما لمقتل أربعة من قوات المرتزقة، من شركة بلاك وتر الأمريكية المنتمية لفرسان القديس يوحنا الصليبية (فرسان مالطة)، كانوا قد لقوا حتفهم قبل أيام قلائل - يوم الأربعاء 31 مارس 2004  تحديدا – على أيدي المجاهدين في مدينة الفلوجة، وعلقت جثثهم المتفحمة بعد سحلهم، على جسر المدينة من قبل الشباب والفتية الغاضبين والمتحمسين.

ثورة سنية بامتياز

ومنذ الليلة السابقة ليوم  9أبريل  2004، كانت الأخبار القادمة من العراق، كلها تشير إلى أن العراق يشتعل ضد القوات الأمريكية وحلفائها، من بابل إلى الموصل، انتفضت العشائر في جنوب بغداد وغربها، انتفضت سامراء وصلاح الدين، وديالى، وتلعفر، وتم طرد القوات الأمريكية، من مدن القائم، وحديثة والرمادي، وغيرها من مدن الأنبار، في غرب العراق، وأشعل المجاهدون الأرض من تحت أقدام قوات الاحتلال، وسيطروا بصورة كلية على الطريق السريع الذي يربط ما بين العـراق وسوريا، وانفجرت الثورة في الموصل الحدباء، لأول مرة على ذلك النحو بحيث صارت معظم المدينة تحت سيطرة المجاهدين، الذين حطموا سائر مراكز الشرطة وأشعلوا فيها النيران، واستولوا على ترسانة الأسلحة الجديدة التي كان قد تم شراؤها للمليشيات الكردية العميلة، التي استلمت المهمات الأمنية في المدينة، فضلا عن الانتفاضة الضخمة التي اندلعت في بغداد، والتي قادتها هيئة علماء المسلمين برئاسة الشيخ حارث الضاري، وانفجرت الثورة في مدن وقرى لأول مرة نسمع عنها في العراق.

لقد كانت ثورة من أعنف الثورات التي تشهدها العراق في تاريخها الحديث ضد الاحتلال الأجنبي والعملاء، بكل ما تعنيه كلمة ثورة من معنى، ولكنها كانت ثورة سنية بامتياز، إذ لم يشارك فيها الشيعة، وخيم على مراجعهم صمت القبور ،وفي مقدمتهم علي السيستاني، وعندما سُئل حسن نصر الله، زعيم حزب الله في لبنان، عن سر هذا الموقف الشيعي السلبي من الفلوجة، رد بما معناه، أن الفلوجة فيها إرهابيين، وهذا ما شاهدته بعيني، وسمعته بأذني عبر أحد مذيعي قناة الجزيرة، وأشهد على ذلك، وهذا موقف حسن نصر الله، الذي يسمونه سيد المقاومة، والذي يطبل له الكثير من شباب ومشائخ الإخوان المسلمين وكثير من أهل السنة المغرر بهم.

وفي ذلك اليوم الأغر، تم تقطيع أوصال القوات الأمريكية، وباتت معزولة ومتخندقة على نفسها في جزر مستقلة عن بعضها البعض، وسط بحر متلاطم من المجاهدين، الذين انتشروا في كل مدينة وفي كل قرية وفي كل ناحية عراقية.

الهزيمة المخزية للقوات الأمريكية

وكان الوضع أشد سوءا على القوات الأمريكية التي كانت تحاصر الفلوجة، فقد ردّت هذه القوات على أعقابها خائبة مدحورة، عندما حاولت اختراق المدينة من شمالها الغربي، وتحديدا من حي الجولان، الذي دفع المجاهدون فيه أغلى التضحيات، وقدموا أروع صور البطولة والاستبسال، بسلاحهم الخفيف وفوق الخفيف، بقيادة ابن الفلوجة البار الشيخ البطل الشهيد، عمر حديد المحمداوي، ومنيت القوات الأمريكية بخسائر فادحة في الأرواح وفي المعدات، وذلك رغم التغطية الجوية التي صاحبت الهجمة البرية.

فقد قام الطيران الأمريكي، بقصف أغلب المدينة في داخلها وعلى أطرافها، بالقنابل العنقودية، بشكل متزامن مع قصف المدفعية وقذائف الهاون، لمشاغلة المدافعين عنها. ثم بعد ذلك تم تطويق القوات الأمريكية المنهزمة والمتقهقرة، من على أبواب مدينة الفلوجة، من كل اتجاه، وقطعت عنها الإمدادات، وأصبحت تتعرض للضربات من خلفها ومن أمامها ومن يمينها ومن شمالها، وأخذ الخناق عليها يضيق شيئا فشيئا، وكانت توشك أن تقع فريسة للمجاهدين، لولا أن الله لم يقدر لها ذلك، ولولا تدخل العملاء والخونة، واقتراحهم للهدنة، بطلب من القيادة الأمريكية. فسبحان الله العظيم الذي يمهل ولا يهمل.

ولم يجد الأمريكان يومئذ شماعة يعلقون عليها هزيمتهم المخزية والمذلة سوى قناة الجزيرة، فقد صب عليها القادة الأمريكيون جام غضبهم، وحملوها مسئولية الثورة المشتعلة في العراق.

والحقيقة التي لا شك فيها أن مذيع الجزيرة، أحمد منصور، والذي كان موجودا في الفلوجة بمحض الصدفة ( لإجراء مقابلات تتعلق بأسرار سقوط بغداد (، لعب دورا مشكورا وجريئا في نقل الوقائع، من مدينة الفلوجة، وجعلنا على اطلاع بالمستجدات الجارية على الأرض، أولا بأول.

نعم كانت هزيمة مخزية تلحق بالقوات الأمريكية لم تتعرض لمثلها تقريبا منذ الحرب العالمية الثانية، وكانت هزيمتها ستكون شاملة بسبب الثورة، التي اندلعت في وسط وشمال وغرب العراق، والتي لم يحسب لها الأمريكيون لها أي حساب..

خيانة ليست كأي خيانة

ولم ينقذ القوات الأمريكية يومئذ إلا الأحزاب العميلة، وفي مقدمتها الحزب الإسلامي) حزب إخوان العراق ( فقد لعب هذا الحزب دورا مخزيا في هذه المعركة غير المتكافئة، لصالح قوات الاحتلال، وهذا بجانب بعض الشخصيات المستقلة المحسوبة على السنة، من المشاركين في مجلس الحكم الذي شكله السفير بريمر، فقد قام هؤلاء الخونة باستدراج بعض أهالي الفلوجة، الذين لم يكونوا يعرفون بما يجري خارج مدينة الفلوجة، وضموهم إلى جانبهم، بدعوى أنهم يمثلون المقاومة، وكالوا لهم الوعود على لسان سيدهم الأمريكي، ودغدغوا عواطفهم بحقن دماء الأطفال والنساء والشيوخ، وجاءوا بحيلة سخيفة، اسمها الهدنة، احتالوا بها لإيقاف الثورة المتصاعدة في عموم العراق، بعد أن عجزت قوات الاحتلال، عن إيقافها بجيوشها الجرارة، وبترسانة أسلحتها المدمرة، وأصبحت أسيرة لها، وتحت رحمتها ولكي تستفرد قوات الاحتلال بمدينة الفلوجة، بعد ذلك.

ومن غريب أمرهم أنهم كانوا مستمرين في الحديث عن الهدنة في الوقت الذي كانت الطائرات الأمريكية تواصل فيه دك المدينة بقنابل النابالم والقنابل العنقودية رافضة تقديم أي شيء يدل على حسن النية.

ولو لم يتدخل الخونة والمرجفون يومئذ ويسارعوا بالدعوة لتلك الهدنة، قافزين على الحقائق الجارية على الأرض، وفي مسرح العلميات، وضاربين عرض الحائط باقتراحات وتحذيرات هيئة علماء المسلمين.

أقول لو لم يتدخل يومئذ أولئك، ويسوقون لتلك الهدنة المكذوبة، وشاركوا بدلا عن ذلك في الثورة، لكانت النتيجة ربما هي نهاية الوجود الأمريكي في العراق، وحتى انتقدهم يومئذ خبير عسكري عراقي، قائلا ما معناه: أن الذي دعي إلى مثل تلك الهدنة في العراق، في ذلك الوقت الذي انهارت فيه القوات الأمريكية ، أما إنه خائن، وإما إنه جاهل تماما بأمور الحرب والتكتيك العسكري.

والحقيقة أنها كانت خيانة بامتياز.  ولكن لا كأي خيانة!!  فقد كانت خيانة أنستنا ما تقدمها من خيانات .. أنستنا خيانة مؤيد الدين ابن العلقمي، وزير الخليفة العباسي، وخيانة نصير الدين الطوسي المنجم، وزير الطاغية هولاكو وكاتبه، مع الفارق وهو أن الخونة هذه المرة، كانوا يتسترون بعباءة أهل السنة - والسنة بريئة منهم إلى يوم الدين - لأن الشيعة آنذاك كانوا واقفين بشكل صريح مع حلفائهم الأمريكيين.

والله أعلم!