وكالات

نجحت تركيا عسكرياً في السيطرة على مدينة عفرين التي تمثل كتلة جغرافية واسعة ضمن شريط يمتد من الحدود العراقية وحتى البحر المتوسط تحاول واشنطن جعله نواة لدولة كردية مستقبلية للأكراد، لكن ما فعلته تركياً أظهر تراجعاً عسكرياً أمريكياً ظهر من خلال تخلي واشنطن عن قوات سوريا الديمقراطية التي قاتلت في عفرين لمدة شهرين، لكن طموحات تركيا في فرض نفوذها على منطقة شمال سوريا لإعتبارات تقول بأنها تمس الأمن القومي التركي وتحجم أي معركة قادمة في إدلب التي تمثل المعقل الأخير لقوى المعارضة السورية، دفع أنقرة للتهديد بالزحف نحو مدينة منبج التي تقع في عمق نفوذ الإدارة الكردية المدعومة من واشنطن.

عقب التهديد التركي ظهر موقفان مختلفان من واشنطن الأول عبر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقوله إنه يجب علينا سحب جنودنا من سوريا وجلبهم لحماية الأمن على حدود المكسيك، أما الموقف الآخر وقد أخذ بعداً ميدانياً، تمثل في تسريع الجيش الأمريكي بإنشاء قاعدتين عسكريتين في منبج، بالإضافة إلى بيان نشره البنتاغون وأوردت نصه أسبوعية "نيوز ويك" الأمريكية، جاء فيه بأن القوات الخاصة الأمريكية في سوريا ستضل تدعم حلفاءها المحليين في حربهم ضد "داعش"، بالتزامن مع ذلك التصريح قال قائد القيادة المركزية الأمريكية، الجنرال، جوزيف فوتيلإن بلاده تجري حوارًا مكثفًا مع تركيا بشأن سوريا وهناك قنوات اتصال جيدة ومفتوحة بين الجانبين. جاء ذلك خلال كلمة لفوتيل، في منتدى بعنوان "استقرار العراق وسوريا عقب داعش"، نظمه معهد "السلام" بواشنطن. وتابع: " الشيء المهم الذي تعلمناه في سوريا هو ضرورة وجود آليات للحديث مع الناس، بسبب وجود لاعبين كثر في المنطقة".

تأتي التصريحات الأمريكية عقب إعلان البنتاغون، عن وفاة اثنين من جنوده وهم جوناثان دنبار ومات تونرو، قتلاه خلال محاولتهم التسلل خارج منبج لملاحقة أحد قادة تنظيم "داعش"،وفقاً للرواية الأمريكية.

تكشف الأحداث المتسارعة الأخيرة في سوريا وجود وجه جديد للتصراع يظهر تراجعاً أمريكياً أمام التنسيق التركي الروسي الإيراني المشترك، بالتزامن مع انحسار قوى المعارضة وإعادة تموضعها في إدلب التي تحاول تركيا فرض نفوذها على القوى المتمركزة فيها و أبرزها هيئة تحرير الشام،  فواشنطن التي تعتقد أن مشروع إيجاد دولة كردية في شمال سوريا قد قلت إحتمالاته إلى حد كبير في ظل تمركز الجيش التركي هناك، بالتزامن مع عدم استعداد النخبة السياسية الحاكمة في البيت الأبيض لدفع المزيد من الأموال لتغطية نفقات الحرب وإنكفاءها على الشأن الداخلي، بالإضافة إلى قلق واشنطن من محاولات قد تكون روسية تركية مشتركة للدفع بإتجاه مصادمة عنيفة ومباشرة بين الجيش الأمريكي والجماعات السورية المعارضة في إدلب، ومقتل اثنين من الأمريكيين يؤكد إرهاصات وقوع هذا الأمر إن رفضت واشنطن التسليم بالواقع الذي تفرضه تركيا في في شمال سوريا.  وهذا الأمر سبق و أن صرح به دولت بهتشلي، رئيس "حزب الحركة القومية" التركي حليف الحزب الحاكم حينما قال مخاطباً الأمريكان" إن تركيا ستجعل الولايات المتحدة تمر بـ5 أضعاف ما عايشته في فيتنام"، فبالنسبة للأتراك إنهاء الوجود الأمريكي في سوريا يعني قطع الطريق أمام المشروع الكردي وإنهاء أزمة ملايين اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا ويكلفون الدولة موازنة ضخمة.

أما بالنسبة للروس فإن وجودهم في سوريا يتعلق باللعبة الجيوسياسية الكبرى حول الطاقة ومشروع "نابوكو" لنقل الغاز إلى الاتحاد الأوربي الذي يعتمد بنسبة كبيرة تتخطى الــ80%، فعقب أزمة أوكرانيا وانقطاع الغاز عن أوروبا لمدة أسبوعين، بدأت واشنطن وبوركسل بتنشيط مشروع "نابوكو" لمد أنابيب غاز تحمل الغاز من الشرق الأوسط ووسط أسيا عن طريق تركيا للاتحاد الأوروبي وقد نجحت روسيا من خلال عقد إتفاقات لشراء واردات الغاز من بلدان وسط أسيا لعقود قادمة بتعطيل المشروع لكن مع إكتشاف حقول غاز  أمام الشواطئ المصرية و اليونانية و الكيان الصهيوني بالإضافة إلى الغاز القطري فإن واشنطن سعت لتنشيط المشروع مرة أخرى لكن الدب الروسي يصر على المصارعة من أجل أهم مورد إقتصادي لخزينته وإبقاء أوروبا أسيرة لوارداته، لذلك تلتقي المصالح التركية الروسية المشتركة بشأن إزاحة واشنطن من على الخارطة السورية لما سبق من اعتبارات.