نحن كفلسطينيين لدينا تفاصيل عميقة تتحدث عن المعاناة وقصص التهجير والتنكيل والإعتقال والعذاب تحت أسياط الجلادين الصهاينة تلك السرديات المستمرة عن المأساة منذ قرابة 100 عام حيث سلمت إنجلترا المستعمرة لفلسطين اليهود وثيقة نقل ملكية بموجبها يستطيعون التخلص من الفلسطينيين بالوسائل التي تناسبهم وبناء دولة ستكون حاضنتها كل قوى الظلم في هذا العالم، لكن قصص التضحية و البطولة التي كانت ولا تزال منارة يهتدى بها في فلسطين وخارجها قليلة جداً ويتم تجاهلها في الإعلام الرسمي والعالمي كونها تمثل خطراً معنوياً تثبت عدم مصداقية مقولة رئيس وزراء "إسرائيل" الهالك ديفيد بن غريون،" الكبار يموتون والصغار ينسون!".  رغم موت الكبار و تهجيرهم وزجهم في السجون إلا أن الصغار يستذكرون ويورثون الحكايا والتراث وسجلات الألم لأبناءهم وأحفادهم.. أحد هؤلاء الصغار ثائر كايد حماد من بلدة سلواد شرق مدينة رام الله، لم يكن يوماً ضمن قائمة المطلوبين أو القادة الأشاوس في المنظمات الفلسطينية كثيرة العدد أو عضواً في جماعة مسلحة، كان مجرد شقيق لخمسة أخوة حرمهم الاحتلال نعيم الطفولة وأجبرهم على عيش معاناة الفلسطينيين المتواصلة منذ زمن المندوب السامي البريطاني هربرت صموئيل!  بتاريخ 3 مارس 2002م أقدم كايد على شراء بندقية (n1) أمريكية بقيمة 1800 دولار أمريكي، صنع الجيش الأمريكي مثيلاتها عام 1936م لتوزيعها على القوى المتحالفة معه خلال الحرب العالمية الثانية.  تزود بذخيرة قدرها 350 رصاصة استنفذها على التدريب خلال عدة أيام ولم يتبقى في جعبته سوى 70 رصاصة، تلك الرصاصات لم يكن يعلم صاحبها أنها ستكون إضافة نوعية للعمل الفلسطيني المقاوم بل ستكون وفيرة وسخية في نتائجها وقد أغنته عن ألف صاروخ وطائرة مع إرادته الصلبة ومساره النضالي الذي رسمه لنفسه تيمناً بخاله الشهيد نبيل حماد الذي قتله الجيش الصهيوني عام 1991م.  بتاريخ 3مارس 2002 صلى الثائر كايد حماد الفجر وامتطى صهوة جواده و تنقل بين حقول مدينتي نابلس ورام الله ليصل إلى موقع عسكري إسرائيلي لطالما نكل بالمواطنين الفلسطينيين وهو موقع "عيون الحرمية".. يقول "لم أكن أتوقع عودتي سالماً ولو بدرجة 1%".  تموضع البطل تحت فيافي إحدى أشجار الزيتون المطلة على الموقع وبدأ بمراقبة الموقع لمدة ساعتين من مسافة تزيد عن 120 متر هوائي.. كان "حماد" بين لحظتين لحظة ولادته ولحظة نهايته أيعود راجلاً سالماً أم يلقي نفسه بين جحيم صليات الرصاص.. لكن الرصاصة الأولى التي خرجت الساعة السادسة صباحاً، أصدرت حكماً لا عودة فيه، كان حكماً عادلاً أسقط أول قتيل من جنود الحاجز على وجهه.. ثم بدأت الرصاصات تحصد الجنود واحداً تلو الآخر، رصاصات قاتلة بلا توقف وبلا إحتمالية للخطأ وكأنها تعرف وجهتها جيداً.. يقول "ثائر" أطلقت في الدقائق الأولى 5 رصاصات قتلت بها 5 جنود!". خرج أحد الجنود من داخل الثكنية العسكرية شاهراً سلحه باحثاً عن هدف لكنه تحول إلى هدف خلال ثواني، 6 قتلى سقطوا كانوا هم جميع من في الحاجز العسكري الصهيوني. 

انقضت دقائق بلا حراك وأنا أراقب المشهد من موقعي على التلة المحيطة بالحاجز، حتى جاءت سيارة مدنية يقودها اثنان من المستوطنين، وقبل أن يترجلوا من السيارة أسقطهم صرعى، وحتى هذه اللحظة كانت المعادلة (8/8).

يضيف "حماد" تبقى بحوزتي 62 رصاصة من أصل 70 أحضرتها معي، لم يشاء الله أن تنتهي هذه المعركة غير المتكافئة فجاءت سيارة عسكرية لتغيير وردية الجنود، ومن هذه اللحظة تحول الأمر إلى إشتباك وزخات رصاص عنيفة في جميع الإتجاهات تطلق من قبل الجنود، وبدأت بإطلاق النار بنفس الطريقة حتى جاءت سيارة مدنية فيها سيدة ومعها أطفالها  فأشرت لها بيدي حتى تغادر، وحتى الساعة 7:30 صباحا كنت قد أنهيت 26 رصاصة، وعقب تضخم المعركة خشيت من انكشاف موقعي فإنسحبت متسللاً التلة المطلة على منطقة جلجولة متجهاً نحو سلواد. وعورة الطريق وكثرة الركام الصخري صعب عملية تتبعي حتى وصلت إلى منزلي، قمت بالإستحمام ثم عدت للنوم وبعد استيقاظي بدأت أستمع لسرديات مختلفة حول وقائع العملية والمنفذين، حتى أن البعض روج بأن المنفذ رجل كبير في السن احتفظ بالبندقية منذ الحرب العالمية الثانية. كانت النتيجة بحسب ما ورد في وسائل الإعلام مقتل 11 جندياً صهيونياً وإصابة 9 تم قنصهم ب26 رصاصة.

يضيف كايد حماد، بدأ الجيش الصهيوني بحملة إعتقالات عشوائية في بلدة سلواد بحثاً عن مشتبهين، وكنت من ضمن المعتقلين لكن لصغر سني وكنت في حينها 22 عاماً، ولم تنطبق علي مواصفات المنفذ بحسب تكهنات الجيش فقد تم إطلاق سراحي.

وبعد مضي 31 شهراً جاء بلاغ بضرورة تسليم نفسي للجيش الصهيوني، لكن تجاهل "حماد" للبلاغ دفع الجيش لإرسال قوة عسكرية داهمت المنزل واعتقلته، عقب الإعتقال بدأت السلطات الصهيوني بمطابقة شظايا الرصاص مع بصماتي وعقب إثبات تنفيذي للعملية جاءني ضابط وألقى علي التحية العسكرية!.  يواصل حماد سرديته قائلا "تعرضت أمي وجدتي لــ"جلطات"، بسبب ما جرى ولم يكن متوقع، حينها أبلغت المحققين بأنني أخبئ قطعة سلاح في منزلي، فسحلوني إلى المنزل تمكنت بهذه الوسيلة من رؤية والدتي وجدتي.  بدأت بعد ذلك رحلة تنقلات بين السجون و أقبية التحقيقة والمحاكم العسكرية انتهت بعد ثلاثين جلسة، في 29 أكتوبر عام 2006 بإصدار حكم بالسجن المؤبد 11 مرة.

ثائر كايد حماد الذي نفذ عملية "وادي الحرمية" وعمره لم يتجاوز الــ22 عاماً، يقبع الآن في سجن ريمون في صحراء النقب، يقول في إحدى رسائلة المهربة من السجن مخاطباً والدة أحد الجنود الصهاينة الذين قتلهم، "إن مدرسة التاريخ أثبتت أن الشعب الذي لا يقاوم الاحتلال بكل الوسائل وخاصة المسلحة منها، لا يمكن أن ينتزع حقوقاً ولكم عبرة في حلفائكم الأميركيين الذين لم يجروا ذيول هزيمتهم من فيتنام وإن جيشكم لم ينسحب من لبنان إلا بالمقاومة والبطولات فتعلموا من تجارب التاريخ وارفعوا أيديكم عن أرضنا وشعبنا وهوائنا وإلا فان قتل القتلة واجب علينا التمسك به".