منذ بداية تدخلها في سوريا عبر إطلاق التحالف الدولي لمحاربة "الإرهاب"، رفضت واشنطن التدخل المباشر عبر المشاركة بقوات برية لملاحقة عناصر تنظيم "داعش" الإرهابي، واستعانت بالمليشيات الكردية عبر تشكيل قوات سوريا الديمقراطية للسيطرة على مناطق شمال سوريا، في مسعى لتطبيق رؤية المبعوث الأمريكي في التحالف الدولي، بريت ماكغورك حول وضع الأكراد في سوريا.

 أرسلت واشنطن الكثير من شحنات الأسلحة للمليشيات الكردية في مسعى منها لتحويلها إلى قوة عسكرية لها ثقلها في المفاوضات السياسية التي ترعاها الأطراف الإقليمية بشأن مستقبل سوريا.. في الفترة الماضية أعلن التحالف الدولي أنه سيشكل قوة عسكرية قوامها 30 ألف مقاتل جميعهم ينتمون لقوات سوريا الديمقراطية والهدف المعلن من تلك القوة حماية المناطق التي سيطرت عليها المليشيات الكردية شمال سوريا وعلى جانبي نهر الفرات، لكن تركيا قالت وعبر عدة تصريحات أطلقها المسؤولون الأتراك بأن تلك القوة هي جيش لزعزعة أمن تركيا.. لذلك بدأت القوات التركية بشن عملية هدفها طرد عناصر قوات سوريا الديمقراطية التي تعتمد على وحدات حماية الشعب الكردي في رفدها بالعناصر البشرية من عفرين والمناطق المحيطة بها، وقال الجيش التركي إنه قصف أكثر من 100 هدف وموقع عسكري في المنطقة وتوقع رئيس الوزراء بن علي يلدريم بأن تشارك قوات برية تركية في العملية التي تباينت المواقف الدولية بشأنها. فقد صرحت روسيا بأنها في موقف صعب بشأن العملية كونها تعتبر كلاً من النظام السوري الذي يرفض العملية و تركيا حلفاءها، أما واشنطن فقد جاء تعقيبها على لسان قائد القيادة المركزية بالجيش الأمريكي، الجنرال جوزيف فوتيل، الذي أكد أن تركيا أطلعت بلاده حول عمليتها العسكرية بمدينة "عفرين" السورية، مشيرا بذات الوقت أن المدينة لا تقع في نطاق العمليات العسكرية لأمريكا.

إن الصراع بين القوى الإقليمية على الأرض السورية لا يتعلق بالصراع على طرد " الإرهاب" أو مستقبل النظام السوري أو حتى رسم خارطة سوريا المستقبلية بقدر ما يرتبط بقضايا أكثر أهمية بالنسبة لتلك الدول وتأثيرها يتخطى حدود سوريا، فروسيا التي شيدت قواعد عسكرية في حميميم بسوريا وأعلنت أنها لن تخرج منها تعتبر الشواطئ السورية جزءاً من استراتيجيتها الأمنية في مواجهة أعضاء حلف الناتو لا سيما وأن الجرائم التي ارتكبتها روسيا في سوريا أسفرت عن موجة هجرة ضخمة اجتاحت أوروبا وزادت الاستقطاب السياسي فيها والانقسامات التي بدأت تمزقها، بالإضافة إلى الحرب الباردة التي تخوضها مع واشنطن في الشرق الأوسط، فبدلاً من أن تخوض واشنطن معاركها مع روسيا في أوكرانيا يمكن أن تكون المعركة في الشرق الأوسط وتكون النتائج مرضية لكلا الطرفين سواء بشأن الخسائر أو النتائج. أما بالنسبة لتركيا فإنها نجحت بشكل كبير في امتصاص  الأزمات التي مرت بها خلال أزمة سوريا وتمكنت من إنجاح شراكتها مع روسيا في سوريا عقب تأكدها بأن واشنطن لا تعتبر فقط حليفاً سيئاً بل حليفاً متأمراً على الأمن التركي.

يقول الصحفي التركي برهان الدين دوران، هذه ليست مجرد إشاعات بأن الطائرات الحربية الأمريكية قامت بإسقاط الأسلحة والذخائر إلى مقاتلي "بي كا كا" خلال عملية المطرقة في التسعينيات. واليوم، تبذل واشنطن جهدا خطيرا لتحويل منظمة إرهابية تقاتلها تركيا منذ عام 1984 إلى "دولة". ولا يمكن لحكومة حزب العدالة والتنمية أن تحجب موجة معاداة أمريكا التي أثارتها هذه السياسة.

قبل أسابيع دعت واشنطن رعايها إلى عدم زيارة تركيا بسبب القلاقل الأمنية، وفي مارس 2017 اعتقلت السلطات الأمريكية المصرفي التركي محمد هاكان آتيلا وهو مدير مصرف "خلق" الحكومي بتهمة انتهاك العقوبات المفروضة على إيران، عقب ذلك جاءت أزمة إعلان تشكيل ما يعرف بــ"جيش الشمال" الذي تدعمه واشنطن للسيطرة على شمال سوريا، تلك التصرفات الأمريكية أكدت لأنقرة أن أمريكا تسعى لإنشاء جيب كردي على حدودها الجنوبية يصل بمنفذه إلى البحر المتوسط، وهذا الأمر سيكون له انعكاسات خطيرة على الأمن التركي حيث سيوفر حاضنة لأي عمليات امنية تستهدف تركيا في المستقبل، بالإضافة إلى أن المشروع الكردي سيغلق الحدود التركية مع العالم العربي وهذا الأمر له أهميته التجارية بالنسبة لتركيا بالإضافة إلى نفوذها داخل سوريا خصوصاً في ظل وجود ملايين السوريين المقيمين في تركيا.

يقول الكاتب البريطاني روبرت فيسك، في مقالة نشرتها صحيفة الاندبندنت البريطانية، لا يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة، وذلك لأنها ستخون الأكراد وتخون هذه القوة الأمنية الجديدة. وأوضح أن الأكراد ستتم خيانتهم، وأما القوة الأمنية الجديدة فستبقى قائمة ما بقيت تسهم في تحقيق المصالح الأميركية.

إن ردة الفعل الأمريكي تؤكد تجنب واشنطن الدخول في أزمة مباشرة مع تركيا لكنها تواصل التحرش بها عبر مليشياتها في سوريا أو افتعال أزمات مثل أزمة "التأشيرات" الأخيرة، لكن على المدى البعيد هل يمكن لواشنطن أن تدخل في صراع مباشر مع تركيا سواء على الصعيد الأمني أو السياسي؟! هذا السؤال يمكن الإجابة عليه من خلال معرفة المدى الذي ستذهب إليه تركيا في التصدي للنفوذ الأمريكي الكردي على حدودها، وإطلاق عملية عفرين يؤكد جرأة التراك في حماية حدودهم و كذلك تردد الأمريكان من حيث مساندة حلفائهم، كما أن الغطاء السياسي الروسي للعملية التركية يؤكد أن الهدف البارز للتحالف التركي الروسي في الفترة الراهنة هدفة إخراج واشنطن من سوريا لا سيما وأن واشنطن أعلنت ذلك عبر وزير خارجيتها ريكس تيلرسون الذي أشار إلى بقاء القوات الأمريكية لفترة غير محددة.

صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل أيام قائلاً: "مسؤوليتنا هي خنق هذا الجيش من الإرهاب قبل أن يولد". وهذا يؤكد أن العملية العسكرية التركية ستتوسع بحسب الغطاء السياسي الروسي لها وكذلك تماشياً مع التراجع الأمريكي. وما أظهرته الأيام القليلة الماضية أنه كلما أظهر الأتراك جدية في الدخول عسكرياً إلى الأراضي التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، كلما بدأ الأمريكان بالتراجع، وهذا الأمر يكرر أزمة كردستان العراق حيث جند الأكراد كل قوتهم لمساعدة واشنطن في إسقاط صدام حسين ثم في طرد "داعش"، و عقب إعلان استفتاء الإنفصال في سبتمبر الماضي رفضت واشنطن دعم عملية الإنفصال أو الإقرار بها، وهذا الأمر نتج عنه زلزال سياسي وإفلاس إقتصادي تعاني منه كردستان العراق إلى يومنا هذا.