وكــالات

بصورة مفاجئة زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قاعدة "حميميم" في شمال سوريا على البحر المتوسط، و في رسالة وداعية لجنوده الذي قال إنهم سيبدأون بالمغادرة منذ تلك اللحظة، قدم بوتين عميق شكره لهؤلاء الجنود الذين قاتلوا للحفاظ على بقاء النظام السوري في معركة تواصلت لثلاث سنوات.. زيارة بوتين جاءت بالتزامن مع توقيت إنعقاد مؤتمر أستانة بين النظام السوري و الفصائل الثورية المعارضة، وكذلك في توقيت تشهد سوريا قرب آخر معاركها عقب حشد النظام السوري لقواته وفصائل إيرانية تمهيداً للتوجه إلى إدلب التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام. بحسب تصريحات بوتين فإنه سيتم سحب عدد كبير من قواته و الإبقاء على قاعدة بحرية دائمة في سوريا، لضمان استمرار النفوذ الروسي هناك، فالتحركات الأخيرة التي تجمع روسيا وإيران وتركيا تؤكد أن الدور الأمريكي قد قل تأثيره على الأقل على المستوى السياسي في سوريا.  السؤال المطروح هو هل لقرار بوتين علاقة بالجهود التي تبذل في أستانا؟ أم أنه قرار أحادي الجانب عقب انتهاء المعارك مع تنظيم "داعش" وسيطرت تركيا على أجزاء كبيرة من الشمال السوري، وحسم المعركة في الشرق لصالح قوات سوريا الديمقراطية التي تدعمها واشنطن و مليشيات تابعة للنظام السوري. تعلم سوريا أن حليفها الأسد ضعيف أمام خصومه في سوريا لذلك لا يمكن أن تترك نقاط خفض التوتر التي منحت الأسد فرصة للصعود مجدداً، لكن سيتم النظر إلى نتائج مفاوضات أستانة والاجتماع الذي يعقد في تركيا بين قيادات أمريكية وعراقية وتركية مشتركة بالإضافة إلى اللقاء الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الرئيس الروسي لتحديد المستقبل السياسي للنظام السوري في ظل موافقة أمريكية على استمراره في السلطة لغاية 2021.

الانسحاب الروسي من سوريا يعني توسع النفوذ التركي هناك، إذ تسعى تركيا إلى وقف التقدم الكردي في شمال البلاد، لكن قد يضفي الشرعية على مطالبته لجميع القوات الأجنبية بمغادرة سوريا. وستكون نيته موجهة أساسا للقوات الأميركية والتركية، التي لا تتمتع بالشرعية كما القوات الروسية والإيرانية التي "دعيت" من قبل الأسد، كما أوضح قبل أسبوعين، وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف.

الإعلان العراقي و السوري عن انتهاء وجود داعش يتماشى مع الرغبة الروسية في إخراج واشنطن من سوريا، لا سيما عقب فقدانها الذريعة الوحيدة التي أدخلتها سوريا.

ترميم العلاقات سريعاً بين تركيا وروسيا أظهر جلياً تشكيل تحالف بين الطرفين لإخراج الأمريكيين من سوريا، و هذا الأمر سيكون الملف الحاسم به هو الخريطة السياسية التي ستخرج عقب اتفاق أستانا. يقول الصحفي الصهيوني تسفي برئيل في مقالة نشرتها صحيفة "هأرتس" إنه في أي اتفاق سياسي حول مستقبل سوريا، سيتم تأمين وضع الدكتاتور السوري في المدى القصير، على الأقل، والسؤال هو كيف سيتم تقسيم "الغنائم" الاقتصادية والسياسية بين روسيا وإيران. لا يمكن لأي طرف دفع الآخر إلى خارج الساحة، وكلاهما له مصلحة في استقرار الدولة ومنع إقامة دولة كانتونات. ويعتمد تحقيق هذه المصلحة على الاتفاقات التي تم التوصل إليها بين إيران وروسيا، وليس على الكفاح العسكري من أجل السيطرة على الأراضي وهو ما سيتطلب الاحتفاظ بقوات في سورية لفترة طويلة. وهذا وضع لا يريده أي طرف منهما، خاصة وأن كلا منهما يملك تجربة في تحقيق تأثير كبير في دول أخرى بوسائل اقتصادية وسياسية، وليس بالضرورة بوسائل عسكرية. كذلك فإن الدور التركي مرتبط بالموقف الأمريكي و الروسي في سوريا، و إن كانت الخارطة السياسية الجديدة للملف السوري سيؤثر فيها الطبيعة المليشياوية التي تستثمر على الأرض من قبل الجميع، لا سيما في الموضوع الكردي الذي تتبناه واشنطن و تعتبره ورقتها الرابحة هناك، وهذا الأمر قد يطيل المواجهة بين واشنطن وأنقرة لأمد بعيد في الشمال السوري.