في اليمن كانوا يقولون أن لدى علي عبدالله صالح 70 نفساً في كناية على طول عمر الرجل ونجاته من عدة محاولات اغتيال كانت أكثرها فداحة حادثة اغتياله في تفجير استهدف جامع الرئاسة في 3 يونيو 2011 ونجى منها بأعجوبة بعد تدخل المملكة العربية السعودية لعلاجه الذي استمر عدة أشهر في الرياض.

صباح الاثنين الموافق 4 ديسمبر 2017 قتل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح برصاص حلفائه من جماعة الحوثي بعد أن أعلن فك الشراكة بين الطرفين وقاد مواجهات عنيفة وسط العاصمة صنعاء انتهت بسيطرة الحوثي على منازله ومقرات حزب المؤتمر الشعبي العام، واغتياله وتصفيته بطريقه بشعه كما حدث مع الكثير من معارضي الحوثي سابقاً.

كان صالح يصف نفسه دائماً بأنه "الراقص على رؤوس الثعابين" في كناية على أن حكم الشعب اليمني ليس بالأمر السهل، فقد استطاع أن يضرب هذا الطرف بذاك، وعمل على استمالة القبائل وجلب مواقفهم لصالحه، ولعب في كل الحبال، وانتصر في كل المعارك، لكنه سقط أخيراً مضرجاً بدمائه.

صالح الذي شهدت مسيرته السياسية تقلبات كبيرة وتحالفات مع أطراف مختلفة، من مواليد 21 مارس 1942، وصعد إلى السلطة في اليمن عام 1978 بعد مقتل سلفه أحمد الغشمي، حيث طلب لنفسه السلطة وحمل نعشه في يده في زمن اغتيال الرؤساء في تلك الفترة.

استمر صالح في حكم اليمن قرابة 33 عاماً، واستطاع أن يقضي على محاولة انقلاب بعد صعوه للسلطة بثلاثة أشهر قادها التيار الناصري، وظل حتى فبراير 2012 حيث أطاحت به ثورة شعبية اندلعت في 11 فبراير 2011.

من المصادفات أن يقتل صالح أثناء فراره من صنعاء إلى سنحان مسقط رأسه التي ولد فيها، وعايش أحداث اليمن الساخنة في السبعينات، حيث شهد الحرب بين الملكيين والجمهوريين عام 1970، وبعدها بخمس سنوات أصبح قائداً عسكرياً على خلفية انقلاب عام 1974.

شهدت فترة حكم علي عبدالله صالح لعبة التناقضات والحروب المفتعلة والتحالفات السياسية، وكان يوصف بالذئب الماكر نظراً لقدرته على التلون وتغيير المواقف وانتصاره على خصومه السياسيين.

نجح صالح مع شريكه الأول علي سالم البيض في إعلان وحدة الشطرين الشمالي والجنوبي عام 1990، إلا أن الشراكة لم تستمر طويلاً بعد أن التهم صالح شرائكه في الحزب الاشتراكي وانتهى الأمر بحرب صيف 94 الذي انتصرت قواته في إخماد محاولة انفصال الجنوب بقيادة علي سالم البيض.

بعد حرب صيف 1994 شكل حزب صالح حكومة ائتلافية مع حزب التجمع اليمني للإصلاح الإسلامي، وعمل صالح على تسليم الوزارات الخدمية لحزب الإصلاح من أجل تحميله مسؤولية فشل تلك الوزارات وما لبث أن فك شراكته مع الإصلاح بشكل نهائي، وتحول الإصلاح إلى المعارضة.

في السنوات التالية شهد اليمن اضطرابات متصاعدة ومخاطر مختلفة، أهما ظهور ما كان يطلق عليه "الشباب المؤمن" الذي تنامى كثيراً حتى تحول إلى جماعة الحوثي التي خاضت ضد قوات علي عبدالله صالح ست حروب شرسة ما بين 2004 وحتى 2010، اُتهم صالح خلالها بالتلاعب وعدم حسم تلك المعارك بغرض النيل من شريكه في الحكم اللواء علي محسن الأحمر قائد الفرقة الأولى مدرع آنذاك.

مع دخول موجة ثورات الربيع العربي إلى اليمن حاول صالح أن يصمد في وجه الثورة واستخدم كل الوسائل السياسية والإعلامية والعسكرية لكنه فشل في مواجهة هدير الشارع اليمني من شباب الثورة الذين أجبروه على التخلي عن السلطة وفق المبادرة الخليجية التي ضمنت له حصانة وعدد من معاونيه وبقاء حزبه ضمن حكومة الوفاق الوطني.

سلم علي عبدالله صالح السلطة لنائبه عبدربه منصور هادي، وأعلن حينها أنه "سيُعلم قوى المعارضة، ما معنى أن تكون معارضاً" ورغم حصول حزبه على نصف مقاعد حكومة محمد سالم باسندوة إلا أنه أستخدم كل أدواته في إفشال تلك الحكومة حتى وصل الأمر إلى التحالف مع الحوثيين وإدخالهم إلى العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014م، ووقف ضد تحالف عاصفة الحزم وإعادة الأمل وهدد هادي وحكومته بعدم العودة إلى أرض الوطن.

ظلت علاقة صالح وحزبه مع الحوثي متأرجحة حتى بدأت الخلافات تظهر للعلن يوماً وراء آخر انتهت باستهداف جامع الصالح في ذكرى المولد النبوي وبعض منازل صالح، الأمر الذي جعل صالح يخرج للعلن ويدعو أنصاره للثورة ضد الحوثي وعدم استجابة الجيش والأمن لأوامرهم، بل دعا لفتح صفحة جديدة مع السعودية ودول الخليج.

استمرت المواجهات بين قوات صالح ومليشيات الحوثي لمدة ثلاثة أيام وبدأ صالح منتصراً في اليوم الأول لكن الأمور تغيرت رأساً على عقب، فقد تخلى الجميع عن صالح ووجد نفسه وحيداً في منزله مما دعاه للفرار إلى مسقط رأسه سنحان لتلاحقه مليشيات الحوثي وتصب كمية من الرصاص على رأسه ليعلن رحيل الرجل الذي كان يملك اجتراح المتناقضات ما يحار معه المراقب.

رحل علي عبدالله صالح على أيدي شركائه، وبتصفيته انتهت مسيرة رجل تقلبت بين تحقيق الوحدة بين شمال اليمن وجنوبه ثم الالتفاف عليها، وبين خوضه حروباً ضد الحوثيين ثم التحالف معهم لينتهي الأمر بمصرعه على أيديهم.